الفطن المتعطش إلى المعرفة للمعرفة لا لغرض آخر يحيك في صدره اشكال الظواهر وربما يلقيه في تأويلات فاسدة لشدة شرهه على الفرار عن مقتضى الظواهر . ومنع العلم أهله ظلم كبثه إلى غير أهله . وأما العامي فلا ينبغي أن يحدث به . وفي معنى العامي كل من لا يتصف بالصفات المذكورة بل مثاله ما ذكرناه من إطعام الرضيع الأطعمة القوية التي لا يطيقها . وأما المظنون فتحدثه مع نفسه اضطرار فان ما ينطوى عليه الذهن من ظن وشك وقطع لا تزال النفس تتحدث به ولا قدرة على الخلاص منه فلا منع منه . فلا شك في منع التحدث به مع العوام بل هو أولى بالمنع من المقطوع أما تحدثه مع من هو في مثل درجته في المعرفة أو مع المستعدله ففيه نظر فيحتمل أن يقال هو جائز ولا يزيد على أن يقول أظن كذا وهو صادق ويحتمل المنع لأنه قادر على تركه وهو بذكره متصرف بالظن في صفة اللّه تعالى أو في مراده من كلامه وفيه خطر وإباحته تعرف بنص أو إجماع أو قياس على منصوص ولم يرد شئ من ذلك بل ورد قوله تعالى
( وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ )
فان قيل : يدل على الجواز ثلاثة أمور ( الأول ) الدليل الذي دل على إباحة الصدق وهو صادق فإنه ليس يخبر إلا عن ظنه وهو ظان ( والثاني ) أقاويل المفسرين في القرآن بالحدس والظن إذ كل ما قالوه غير مسموع من الرسول عليه السّلام بل هو مستنبط بالاجتهاد ولذلك كثرت الأقاويل وتعارضت ( والثالث ) إجماع التابعين على نقل الأخبار المتشابهة التي نقلها آحاد الصحابة ولم تتواتر وما اشتمل عليه الصحيح الذي نقله العدل عن العدل ، فإنهم جوزوا روايته ولا يحصل بقول العدل إلا الظن . والجواب عن الأول أن المباح صدق لا يخشى منه ضرر ، وبث هذه الظنون لا يخلو عن ضرر فقد يسمعه من يسكن اليه ويعتقده جزما فيحكم في صفات اللّه تعالى بغير علم وهو خطر والنفوس نافرة عن إشكال الظواهر فإذا وجد مستروحا من المعنى ولو كان مظنونا أمكن اليه واعتقده جزما وربما يكون غلطا فيكون قد اعتقد في صفات اللّه تعالى بما هو الباطل أو حكم عليه في كلامه بما لم يرد به ( وأما الثاني ) وهو أقاويل المفسرين بالظن فلا نسلم ذلك فيما هو من صفات اللّه تعالى كالاستواء والفوق وغيره بل لعل ذلك في الأحكام الفقهية أو في حكايات أحوال الأنبياء والكفار والمواعظ