تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
مثال آخر : إذا سمع الصورة في قوله عليه السّلام « إن اللّه خلق آدم على صورته » « 1 » و « إني رأيت ربى في أحسن صورة » « 2 » فينبغي أن يعلم أن الصورة اسم مشترك قد يطلق ويراد به الهبئة الحاصلة في أجسام مؤلفة مولدة مرتبة ترتيبا مخصوصا مثل الأنف والعين والفم والخد التي هي أجسام وهي لحوم وعظام . وقد يطلق ويراد به ما ليس بجسم ولا هيئة في جسم ، ولا هو ترتيب في أجسام ، كقولك عرف صورته وما يجرى مجراه . فليتحقق كل مؤمن أن الصورة في حق اللّه لم تطلق لإرادة المعنى الأول الذي هو جسم لحمي وعظمى مركب من أنف وفم وخد . فان جميع ذلك أجسام وهيئات في أجسام . وخالق الأجسام والهيئات كلها منزه عن مشابهتها أو صفاتها . وإذا علم هذا يقينا فهو مؤمن . فان خطر له أنه إن لم يرد هذا المعنى الذي أراده فينبغي أن يعلم أن ذلك لم يأمر به بل أمر بأن لا يخوض فيه فإنه ليس على قدر طاقته لكن ينبغي أن يعتقد أنه أريد به معنى يليق بجلال اللّه وعظمته مما ليس بجسم ولا عرض في جسم مثال آخر : إذا قرع سمعه النزول في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « ينزل اللّه تعالى في كل ليلة إلى السماء الدنيا » « 3 » فالواجب عليه أن يعلم أن النزول اسم مشترك قد يطلق اطلاقا يفتقر فيه إلى ثلاثة أجسام جسم عال هو مكان لساكنه وجسم سافل كذلك وجسم منتقل من السافل إلى العالي ومن العالي إلى السافل فإن كان من أسفل إلى علو سمى صعودا وعروجا ورقيا . وإن كان من علو إلى أسفل سمى نزولا وهبوطا وقد يطلق على معنى آخر ولا يفتقر فيه إلى تقدير انتقال وحركة في جسم ، كما قال اللّه تعالى
( وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ )
وما رؤى البعير والبقر نازلا من السماء بالانتقال ، بل هي مخلوقة في الأرحام ولا نزالها معنى لا محالة كما قال الشافعي رضى اللّه عنه : دخلت في مصر فلم يفهموا كلامي فنزلت ثم نزلت ثم نزلت : فلم يرد به انتقال جسده إلى أسفل . فتحقق المؤمن قطعا أن النزول في حق اللّه تعالى ليس بالمعنى الأول وهو انتقال شخص وجسد من علو إلى أسفل
هامش
( 1 ) الحديث في الصحيحين ( 2 ) ورد هذا في حديث ضعيف والرؤيا فيه منامية ( 3 ) هو في الصحيحين