تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
فان الشخص والجسد أجسام والرب جل جلاله ليس بجسم . فان خطر له أنه ان لم يرد هذا فما الذي أراد ؟ فيقال له : أنت إذا عجزت عن فهم نزول البعير من السماء فأنت عن فهم نزول اللّه تعالى أعجز . فليس هذا بعشك فادرجى ، واشتغل بعبادتك أو حرفتك واسكت واعلم أنه أريد به معنى من المعاني التي يجوز أن تراد بالنزول في لغة العرب ويليق ذلك المعنى بجلال اللّه تعالى وعظمته وإن كنت لا تعلم حقيقته وكيفيته . مثال آخر : إذا سمع لفظ الفوق في قوله تعالى
« وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ » *
وفي قوله تعالى
« يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ »
فليعلم أن الفوق اسم مشترك يطلق لمعنيين ، أحدهما : نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل يعنى أن الأعلى من جانب رأس الأسفل وقد يطلق لفوقية الرتبة وبهذا المعنى يقال الخليفة فوق السلطان والسلطان فوق الوزير وكما يقال العلم فوق العلم والأول يستدعى جسما ينسب إلى جسم « والثاني » لا يستدعيه فليعتقد المؤمن قطعا أن الأول غير مراد وأنه على اللّه تعالى محال فإنه من لوازم الأجسام أو لوازم أعراض الأجسام وإذا عرف نفى هذا المحال فلا عليه ان لم يعرف أنه لماذا أطلق وما ذا أريد فقس على ما ذكرناه ما لم نذكره الوظيفة الثانية الايمان والتصديق وهو أنه يعلم قطعا أن هذه الألفاظ أريد بها معنى يليق بجلال اللّه وعظمته وأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صادق في وصف اللّه تعالى به فليؤمن بذلك وليوقن بان ما قاله صدق وما أخبر عنه حق لا ريب فيه وليقل آمنا وصدقنا وإن ما وصف اللّه تعالى به نفسه أو وصفه به رسوله فهو كما وصفه وحق بالمعنى الذي أراده وعلى الوجه له الذي قاله وإن كنت لا تقف على حقيقته فان قلت التصديق إنما يكون بعد التصور والايمان إنما يكون بعد التفهم فهذه الألفاظ إذا لم يفهم العبد معانيها كيف يعتقد صدق قائلها فيها ؟ فجوابك أن التصديق بالأمور الجملية ليس بمحال وكل عاقل يعلم أنه أريد بهذه الألفاظ معان وأن كل اسم فله مسمى إذا نطق به من أراد مخاطبة قوم قصد ذلك المسمى فيمكنه أن يعتقد كونه صادقا
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 211 | الشيخ محمد رشيد رضا