جملة المكونات مخلوقة بقدرة اللّه تعالى فما وجه تخصيص خلق آدم صلّى اللّه عليه وسلم سيما بلفظ المننى وما وجه الجمع في قوله
( بِأَعْيُنِنا )
أجيب بأنه أريد كمال القدرة وتخصيص آدم تشريف له وتكريم . ومعنى
( تَجْرِي بِأَعْيُنِنا )
أنها تجرى بالمكان المحوط بالكلاء والحفظ والرعاية ، يقال فلان بمرأى من الملك ومسمع إذا كان بحيث تحوطه عنايته وتكتنفه رعايته ، وقيل المراد الأعين التي انفجرت من الأرض وهو بعيد . وفي كلام المحققين من علماء البيان أن قولنا الاستواء مجاز عن الاستيلاء واليد واليمين عن القدرة والعين عن البصر ونحو ذلك إنما هو لنفى وهم التشبيه والتجسيم بسرعة وإلا فهي تمثيلات وتصويرات للمعاني العقلية بابرازاها في الصور الحسية وقد بينا ذلك في شرح التلخيص » ا ه كلام السعد ونحوه في المواقف وشرحه
ومثل هذه الصفات التي هي في الحادث أعضاء وحركات أعضاء الصفات التي هي في الحادث انفعالات نفسية كالمحبة والرحمة والرضا والغضب والكراهة فالسلف يمرونها على ظاهرها مع تنزيه اللّه تعالى عن انفعالات المخلوقين فيقولون إن للّه تعالى محبة تليق بشأنه ليست انفعالا نفسيا كمحبة الناس . والخلف يؤولون ما ورد من النصوص في ذلك فيرجعونه إلى القدرة أو إلى الإرادة فيقولون الرحمة هي الاحسان بالفعل أو إرادة الاحسان . ومنهم من لا يسمى هذا تأويلا بل يقولون إن الرحمة تدل على الانفعال الذي هو رقة القلب المخصوصة على الفعل الذي يترتب على ذلك الانفعال وقالوا إن هذه الألفاظ إذا أطلقت على الباري تعالى يراد بها غايتها التي هي أفعال دون مباديها التي هي انفعالات
وإنما يردون هذه الصفات إلى القدرة والإرادة بناء على أن إطلاق لفظ القدرة والإرادة وكذا العلم على صفات اللّه إطلاق حقيقي لا مجازى والحق أن جميع ما أطلق على اللّه تعالى فهو منقول مما أطلق على البشر ولما كان العقل والنقل متفقين على تنزيه اللّه تعالى عن مشابهة البشر تعين أن نجمع بين النصوص فنقول إن للّه تعالى قدرة حقيقة ولكنها ليست كقدرة البشر وأن له رحمة ليست كرحمة البشر وهكذا نقول في جميع ما أطلق عليه تعالى جمعا بين النصوص ولا ندعى