تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
إن إطلاق بعضها حقيقي وإطلاق لبعض الآخر مجازى فكما أن القدرة شأن من شؤونه لا يعرف كنهه ولا يجهل أثره كذلك الرحمة شأن من شؤونه لا يعرف كنهه ولا يخفى أثره وهذا هو مذهب السلف فهم لا يقولون إن هذه الألفاظ لا يفهم لها معنى بالمرة ولا يقولون إنها على ظاهرها بمعنى أن رحمة اللّه كرحمة الانسان ويده كيده ، وإن ظن ذلك في الحنابلة بعض الجاهلين . ومحققوا الصوفية لا يفرقون بين صفات اللّه تعالى . ولا يجعلون بعضها محكما إطلاق اللفظ عليه حقيقي ، وبعضها متشابها إطلاقه عليه مجازى . بل كل ما أطلق عليه تعالى فهو مجاز قال الامام حامد الغزالي في بيان معنى محبة اللّه للعبد من الاحياء بعد كلام : « وقد ذكرنا أن محبة اللّه تعالى حقيقة وليست بمجاز إذ المحبة في وضع اللسان عبارة عن ميل النفس إلى الشئ الموافق والعشق عبارة عن الميل الغالب المفرط وقد بينا أن الاحسان موافق للنفس ، والجمال موافق أيضا ، وأن الجمال والاحسان تارة يدرك بالبصر ، وتارة يدرك بالبصيرة ، والحب يتبع كل واحد منهما فلا يخص بالبصر . فأما حب اللّه للعبد فلا يمكن أن يكون بهذا المعنى أصلا . حتى إن اسم الوجود الذي هو أعم الأسماء اشتراكا لا يشمل الخالق والخلق على وجه واحد بل كل ما سوى اللّه تعالى فوجوده مستفاد من وجود اللّه تعالى فالوجود التابع لا يكون مساويا للوجود المتبوع وإنما الاستواء في إطلاق الاسم نظير اشتراك الفرس والشجر في اسم الجسم . إذ معنى الجسمية وحقيقتها متشابه فيهما من غير استحقاق أحدهما لأنه يكون فيه أصلا . فليست الجسمية لأحدهما مستفادة من الآخر وليس كذلك اسم الوجود للّه ولا لخلقه ، وهذا التباعد في سائر الأسامى أظهر ، كالعلم والإرادة والقدرة وغيرها . فكل ذلك لا يشبه فيه الخالق الخلق وواضع اللغة إنما وضع هذه الأسامى أولا للخلق فان الخلق أسبق إلى العقول والأفهام من الخالق ، فكان استعمالها في حق الخالق بطريق الاستعارة والتجوز والنقل » ا ه ما نريده . ثم فسر محبة اللّه للعبد بكلام طويل فيه مجال للبحث والنظر وقال في كتاب الشكر من الاحياء : « إن للّه عز وجل في جلاله وكبريائه صفة عنها يصدر الخلق والاختراع ، وتلك الصفة أعلى وأجل من أن تلمحها عين