تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
واضع اللغة حتى يعبر عنها بعبارة تدل على كنه جلالها وخصوص حقيقتها فلم يكن لها في العالم عبارة لعلو شأنها وانحطاط رتبة واضعي اللغات عن أن يمتد فهمهم إلى مبادئ إشراقها فانخفضت عن ذروتها أبصارهم كما تنخفض أبصار الخفافيش . عن نور الشمس لا لغموض في نور الشمس ولكن لضعف في أبصار الخفافيش فاضطر الذين فتحت أبصارهم لملاحظة جلالها إلى أن يستعيروا من حضيض عالم المتناطقين باللغات عبارة تفهم من مبادئ حقائقها شيئا ضعيفا جدا فاستعاروا لها اسم القدرة فتجاسرنا بسبب استعارتهم على النطق . فقلنا للّه تعالى صفة هي القدرة عنها يصدر الخلق والاختراع . « ثم الخلق ينقسم في الوجود إلى أقسام وخصوص صفات ومصدر انقسام هذه الأقسام واختصاصها بخصوص صفاتها صفة أخرى استعير لها بمثل الضرورة التي سبقت عبارة « المشيئة » فهي توهم منها أمرا مجملا عند المتناطقين باللغات التي هي حروف وأصوات للمتفاهمين بها وقصور لفظ المشيئة عن الدلالة على كنه تلك الصفة وحقيقتها كقصور لفظ القدرة « ثم انقسمت الأفعال الصادرة من القدرة إلى ما ينساق إلى المنتهى الذي هو غاية حكمتها وإلى ما يقف دون الغاية وكان لكل واحد نسبة إلى صفة المشيئة لرجوعها إلى الاختصاصات التي بها تتم القسمة والاختلافات . فاستعير لنسبة البالغ غايته عبارة « المحبة » واستعير لنسبة الواقف دون غايته عبارة « الكراهة » وقيل إنهما داخلان في وصف المشيئة ، ولكن لكل واحد خاصية أخرى في النسبة يوهم لفظ المحبة والكراهة منهما مجملا عند طالبى الفهم من الألفاظ واللغات » ا ه المراد . ثم ذكر نحو ذلك في الرضا والنضب والكفر والشكر وبين أن المرضى عنه من كان في عمله متمما لحكمة اللّه تعالى في عباده أي بالقيام بسننه الكونية والشرعية وهو الشاكر للّه أو الشكور والمغضوب عليه ضده وهو الكافر أو الكفور وليس في هذا البيان العجيب من منازع المتكلمين إلا جعل المحبة والكرامة والرضا والكراهة داخلة في وصف المشيئة على تردد في ذلك والأشبه بمذهب السلف أن يقال إنها شؤون خاصة للّه تعالى ظهر أثرها في خلقه بما ذكر وقال في كتابه المقصد الأسنى في شرح أسماء اللّه الحسنى : وكأنا إذا عرفنا
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 200 | الشيخ محمد رشيد رضا