تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
أن اللّه تعالى حي قادر عالم فلم نعرف أولا إلا أنفسنا ولم نعرفه إلا بأنفسنا إذ الأصم لا يتصور معنى قولنا إن اللّه سميع والأكمه لا يعرف معنى قولنا إنه بصير وكذلك إذا قال القائل كيف يكون اللّه تعالى عالما بالأشياء ؟ فنقول له كما تعلم أنت أشياء . فإذا قال كيف يكون قادرا ؟ فنقول كما تقدر أنت فلا يمكنه أن يفهم شيئا إلا إذا كان فيه ما يناسبه فيعلم أولا ما هو متصف به ثم يعلم غيره بالمناسبة إليه . فإذا كان للّه وصف وخاصية ليس فينا ما يناسبه ويشاركه ولو في الاسم لم يتصور فهمه البتة فما عرف أحد إلا نفسه . ثم قايس بين صفات اللّه تعالى وبين صفات نفسه وتتعالى صفات اللّه تعالى وتتقدس عن أن تشبه صفاتنا ا ه فحاصل ما تقدم أن جميع ما أطلق على اللّه تعالى من الأسماء والصفات هو مما أطلق قبل ذلك على الخلق إذ لو وضع لصفات اللّه تعالى ألفاظ خاصة وخوطب بها الناس لما فهموا منها شيئا قال تعالى
( 14 : 4 وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ )
وقد جاء الرسل عليهم الصلاة والسّلام بما دل عليه العقل من تنزيهه تعالى عن صفات المخلوقين وكونه لا يماثل شيئا ولا يماثله شئ ، فعلم أن جميع ما أطلقوه عليه من الألفاظ الدالة على الصفات كالقدرة والرحمة على الأفعال والحركات كالخلق والرزق والاستواء على العرش وعلى الإضافة ككونه فوق عباده لا ينافي أصل التنزيه بل يجب الايمان بها وبما تدل عليه مع التنزيه فنقول : إن له قدرة ليست كقدرتنا ورحمة ليست كرحمتنا وخلقا ليس كخلقنا . فان الخلق في اللغة التقدير المعروف من الناس للأشياء وهو تعالى أحسن الخالقين ، لا يخلق كخلقه أحد كما قال
( 13 : 16 أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ . قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ )
وليس استواؤه على عرشه كاستواء الموك على عروشهم كما أن عرشه ليس كعروشهم ولا علوه على خلقه كعلو بعض الأجسام على بعض كما أنه تعالى ليس جسما مماثلا لهم . والسلف والخلف أو الأثريون والمتكلمون كلهم متفقون على تنزيه اللّه تعالى عن مماثلة خلقه وعلى أن جميع ما جاء على ألسنة الرسل في وصفه تعالى والحكاية عنه حق إلا أن المتكلمين يقولون : إن العقل دل على أن لهذا العالم خالقا عالما مريدا قادرا فهذه الصفات ثابتة له عقلا ، وعليها مدار إثبات الألوهية بالبرهان ، لأن جميع الكائنات دالة عليها . فما يرد من الصفات السمعية