تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
فمن قال « 1 » عن جبريل ومحمد صلوات اللّه عليهما وعن الصحابة والتابعين لهم باحسان وأئمة المسلمين والجماعة أنهم كانوا لا يعرفون شيئا من معاني هذه الآيات بل استأثر اللّه بعلم معناها كما استأثر بعلم وقت الساعة وإنما كانوا يقرؤون ألفاظا لا يفهمون لها معنى كما يقرأ الانسان كلاما لا يفهم منه شيئا فقد كذب على القوم . والنقول المتواترة عنهم تدل على نقيض هذا وأنهم كانوا يفهمون هذا كما يفهمون غيره من القرآن وان كان كنه الرب عز وجل لا يحيط به العباد ولا يحصون ثناء عليه فذاك لا يمنع أن يعلموا من أسمائه وصفاته ما علمهم سبحانه وتعالى . كما أنهم إذا علموا أنه بكل شئ عليم وأنه على كل شئ قدير لم يلزم أن يعرفوا كيفية علمه وقدرته وإذا عرفوا أنه حق موجود لم يلزم أن يعرفوا كيفية ذاته . وهذا مما يستدل به على أن الراسخين يعلمون التأويل فان الناس متفقون على أنهم يعرفون تأويل المحكم ومعلوم أنهم لا يعرفون كيفية ما أخبر اللّه به عن نفسه في الآيات المحكمات فدل ذلك على أن عدم العلم بالكيفية لا ينفى العلم بالتأويل الذي هو تفسير الكلام وبيان معناه بل يعلمون تأويل المحكم والمتشابه ولا يعرفون كيفية الرب لا في هذا ولا في هذا فان قيل : هذا يقدح فيما ذكرتم من الفرق بين التأويل الذي يراد به التفسير وبين التأويل الذي في كتاب اللّه تعالى . قيل لا يقدح في ذلك فان معرفة تفسير اللفظ ومعناه وتصور ذلك في القلب غير معرفة الحقيقة الموجودة في الخارج المرادة بذلك الكلام فان الشئ له وجود في الأعيان ووجود في الأذهان ووجود في اللسان ووجود في البيان فالكلام لفظ له معنى في القلب ويكتب ذلك اللفظ بالخط فإذا عرف الكلام وتصور معناه في القلب وعبر عنه باللسان فهذا غير الحقيقة الموجودة في الخارج وليس كل من عرف الأول عرف عين الثاني . مثال ذلك : أن أهل الكتاب يعلمون ما في كتبهم من صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وخبره ونعمته وهذا معرفة الكلام ومعناه وتفسيره ، وتأويل ذلك هو نفس محمد المبعوث فالمعرفة بعينه معرفة تأويل ذلك الكلام وكذلك الانسان قد يعرف الحج والمشاعر كالبيت والمساجد ومنى وعرفة ومزدلفة ويفهم معنى ذلك ولا يعرف الأمكنة حتى يشاهدها
هامش
( 1 ) جملة فمن قال الخ هي جواب قوله « وأما إذا جعل معرفة المعنى وتفسيره تأويلا » الخ