تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
وهذا القول يناقض الايمان باللّه ورسوله من وجوه كثيرة ، ويوجب القدح في الرسالة ولا ريب في أن الذين قالوه لم يتدبروا لوازمه وحقيقة ما أطلقوه . وكان أكبر قصدهم دفع تأويلات أهل البدع المتشابهة . وهذا الذي قصدوه حق وكل مسلم يوافقهم عليه ، لكن لا ندفع باطلا بباطل آخر ولا نرد بدعة ببدعة ، ولا يرد تفسير أهل الباطل للقرآن بأن يقال : الرسول والصحابة كانوا لا يعرفون تفسير ما تشابه من القرآن . ففي هذا من الظن في الرسول وسلف الأمة ما قد يكون أعظم من خطأ طائفة في تفسير بعض الآيات ، والعاقل لا يبنى قصرا ويهدم مصرا . والقول الثالث : أن المتشابه الحروف المقطعة في أوائل السور . يروى هذا عن ابن عباس . وعلى هذا القول فالحروف المقطعة ليست كلاما تاما من الجمل الاسمية والفعلية وإنما هي أسماء موقوفة ولهذا لم تعرب فان الاعراب إنما يكون بعد العقد والتركيب وإنما نطق بها موقوفة . كما يقال ا ب ت ولهذا تكتب بصورة الحرف لا بصورة الاسم الذي ينطق به . فإنها في النطق أسماء ولهذا لما سأل الخليل أصحابه عن النطق بالزاي من زيد قالوا زا قال نطقتم بالاسم وإنما النطق بالحرف زه فهي في اللفظ أسماء وفي الخط حروف مقطعة ألم لا تكتب ألف لام ميم كما يكتب قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول ألم حرف ولكن : ألف حرف ولام حرف وميم حرف » والحرف في لغة الرسول وأصحابه يتناول الذي يسميه النحاة اسما وفعلا وحرفا لهذا قال سيبويه في تقسيم الكلام : اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا بفعل . فإنه لما كان معروفا من اللغة أن الاسم حرف والفعل حرف خص هذا القسم الثالث الذي يطلق النحاة عليه الحرف أنه جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل . وهذه حروف المعاني التي يتألف منها الكلام . وأما حروف الهجاء فتلك إنما تكتب في صورة الحرف المجرد وينطق بها غير معربة . ولا يقال فيها معرب ولا مبنى ، لأن ذلك إنما يقال في المؤلف ، فإذا كان على هذا القول كل ما سوى هذه محكم حصل المقصود فإنه ليس المقصود إلا معرفة كلام اللّه وكلام رسوله . ثم يقال : هذه الحروف قد تكلم في معناها أكثر الناس ، فإن كان معناها معروفا فقد عرف معنى المتشابه وإن لم يكن
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 192 | الشيخ محمد رشيد رضا