« وأيضا فقد ذم اللّه الكفار بقوله
( أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ؟ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ )
وقال
( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَ كَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً ؛ أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ؟ )
وهذا ذم لمن كذب بما لم يحط بعمله فما قاله الناس من الأقوال المختلفة في تفسير القرآن وتأويله ليس لأحد أن يصدق بقول دون قول بلا علم ولا يكذب بشئ منها إلا أن يحيط بعلمه . وهذا لا يمكن إلا إذا عرف الحق الذي أريد بالآية ، فيعلم أن ما سواه باطل ، فيكذب بالباطل الذي أحاط بعلمه . وأما إذا لم يعرف معناها ولم يحط بشئ منها علما فلا يجوز له التكذيب بشئ منها مع أن الأقوال المتناقضة بعضها باطل قطعا ويكون حينئذ المكذب بالقرآن كالمكذب بالأقوال المتناقضة والمكذب بالحق كالمكذب بالباطل وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم
« وأيضا فإنه إن بنى على ما يعتقده من أنه لا يعلم معاني الآيات الخبرية إلا اللّه لزمه ان يكذب كل من احتج بآية من القرآن خبرية على شئ من أمور الايمان باللّه واليوم الآخر . ومن تكلم في تفسير ذلك وكذلك يلزم مثل ذلك في أحاديث الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . وإن قال المتشابه هو بعض الخيريات لزمه أن يتبين فصلا يبين به ما يجوز أن يعلم معناه من آيات القرآن وما لا يجوز أن يعلم معناه بحيث لا يجوز أن يعلم معناه لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا أحد من الصحابة ولا غيرهم . ومعلوم أنه لا يمكن أحدا ذكر حد فاصل بين ما يجوز أن يعلم معناه بعض الناس وبين ما لا يجوز أن يعلم معناه أحد ولو ذكر ما ذكر انتقض عليه فعلم أن المتشابه ليس هو الذي لا يمكن أحدا معرفة معناه وهذا دليل مستقل في المسألة
« وأيضا فقوله
( لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ )
و
( كَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً )
ذم لهم على عدم الإحاطة مع التكذيب ، ولو كان الناس كلهم مشتركين في عدم الإحاطة