ابن مسعود أنه كان يقول « ما في كتاب اللّه آية إلا وأنا أعلم فيماذا أنزلت » وقال أبو عبد الرحمن السلمى حدثنا الذين كانوا يقرؤننا القرآن عثمان بن عفان وعبد اللّه ابن مسعود وغيرهما « أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل » وهذا أمر مشهور رواه الناس عامة أهل الحديث والتفسير وله اسناد معروف بخلاف ما ذكر من قراءتهما وكذلك ابن عباس قد عرف عنه أنه كان يقول « أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله » وقد صح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه دعا له بعلم تأويل الكتاب ، فكيف لا يعلم التأويل ؟
مع أن قراءة عبد اللّه « إن تأويله إلا عند اللّه » لا تناقض هذا القول فان نفس التأويل لا يأتي به إلا اللّه كما قال تعالى
( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ )
وقال
( بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ )
وقد اشتهر عن عامة السلف أن الوعد والوعيد من المتشابه وتأويل ذلك هو مجىء الموعود به ، وذلك عند اللّه لا يأتي به إلا هو ، وليس في القرآن أن علم تأويله إلا عند اللّه ، كما قال في الساعة
( يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ؟ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ . ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً . يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها . قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ )
وكذلك لما قال فرعون لموسى
( فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى ؟ قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى )
فلو كانت قراءة ابن مسعود نفى العلم عن الراسخين لكانت : إن علم تأويله إلا عند اللّه . لم يقرأ إن تأويله إلا عند اللّه . فان هذا حق بلا نزاع .
وأما القراءة الأخرى المروية عن أبي وابن عباس فقد نقل عن ابن عباس ما يناقضها وأخص أصحابه بالتفسير مجاهد وعلى تفسير مجاهد يعتمد أكثر الأئمة كالثورى والشافعي وأحمد بن حنبل والبخاري قال الثوري : إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به ، والشافعي في كتبه أكثر الذي ينقله عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، وكذلك البخاري في صحيحه يعتمد على هذا التفسير . وقول القائل لا تصح رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد : جوابه أن تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد