ولكن كثيرا من الناس يزعم أن لظاهر الآية معنى ، إما معنى يعتقده وإما معنى باطلا فيحتاج إلى تأويله ويكون ما قاله باطلا لا تدل الآية على معتقده ولا على المعنى الباطل . وهذا كثير جدا وهؤلاء هم الذين يجعلون القرآن كثيرا ما يحتاج إلى التأويل المحدث وهو صرف اللفظ عن مدلوله إلى خلاف مدلوله
« ومما يحتج به من قال الراسخون في العلم يعلمون التأويل ما ثبت في صحيح البخاري وغيره عن ابن عباس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دعا له وقال « اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل » فقد دعا له بعلم التأويل مطلقا وابن عباس فسر القرآن كله . قال مجاهد « عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره أقفه عند كل آية وأسأله عنها وكان يقول : أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله » وأيضا فالنقول متواترة عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أنه تكلم في جميع معاني القرآن من الأمر والخبر . فله من الكلام في الأسماء والصفات والوعد والوعيد والقصص ومن الكلام في الأمر والنهى والأحكام ما يبين أنه كان يتكلم في جميع معاني القرآن وأيضا فقد قال ابن مسعود « ما من آية في كتاب اللّه إلا وأنا أعلم فيماذا أنزلت » وأيضا فإنهم متفقون على أن آيات الاحكام يعلم تأويلها وهي نحو خمسمائة آية وسائر القرآن خبر عن اللّه وأسمائه وصفاته أو عن اليوم الآخر والجنة والنار أو عن القصص وعاقبة أهل الايمان وعاقبة أهل الكفر فإن كان هذا هو المتشابه الذي لا يعلم معناه إلا اللّه فجمهور القرآن لا يعرف أحد معناه لا الرسول ولا أحد من الأمة . ومعلوم أن هذا مكابرة ظاهرة . وأيضا فمعلوم أن العلم بتأويل الرؤيا أصعب من العلم بتأويل الكلام الذي يخبر به فان دلالة الرؤيا على تأويلها دلالة خفية غامضة لا يهتدى لها جمهور الناس بخلاف دلالة لفظ الكلام على معناه فإذا كان اللّه قد علم عباده تأويل الأحاديث التي يرونها في المام فلأن يعلمهم تأويل الكلام العربي المبين الذي ينزله على أنبيائه بطريق الأولى والأحرى . قال يعقوب ليوسف
( وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ )
وقال يوسف
( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ )
وقال
( لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما )