تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
معناها كثير من العلماء فضلا عن غيرهم وليس ذلك في آية معينة بل قد يشكل على هذا ما يعرفه هذا . وذلك تارة يكون لغرابة اللفظ وتارة لاشتباه المعنى بغيره وتارة لشبهة في نفس الانسان تمنعه من معرفة الحق وتارة لعدم التدبر التام وتارة لغير ذلك من الأسباب فيجب القطع بأن قوله
( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ )
أن الصواب قول من يجعله معطوفا ويجعل الواو لعطف مفرد على مفرد أو يكون كلا القولين حقا وهي قراءتان والتأويل المنفى غير التأويل المثبت وإن كان الصواب هو قول من يجعلها واو استئناف فيكون التأويل المنفى علمه عن غير اللّه هو الكيفيات التي لا يعلمها غيره . وهذا فيه نظر وابن عباس جاء عنه أنه قال « أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله » . وجاء عنه أن الراسخين لا يعلمون تأويله ، وجاء عنه أنه قال « التفسير على أربعة أوجه ، تفسير تعرفه العرب من كلامها وتفسير لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا اللّه ومن ادعى علمه فهو كاذب » وهذا القول يجمع القولين ويبين أن العلماء يعلمون من تفسيره ما لا يعلمه غيرهم وأن فيه ما لا يعلمه إلا اللّه « فأما من جعل الصواب قول من جعل الوقف عند قوله
« إِلَّا اللَّهُ »
وجعل التأويل بمعنى التفسير فهذا خطأ قطعا وأما التأويل بالمعنى الثالث وهو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح فهذا الاصطلاح لم يكن بعد عرف في عهد الصحابة بل ولا التابعين بل ولا الأئمة الأربعة ولا كان التكلم بهذا الاصطلاح معروفا في القرون الثلاثة بل ولا علمت أحدا فيهم خص لفظ التأويل بهذا ، ولكن لما صار تخصيص لفظ التأويل بهذا شائعا في عرف كثير من المتأخرين فظنوا أن التأويل في الآية هذا معناه صاروا يعتقدون أن لمتشابه القرآن معاني تخالف ما يفهم منه ؛ وفرقوا دينهم بعد ذلك وصاروا شيعا والمتشابه المذكور الذي كان سبب نزول الآية لا يدل ظاهره على معنى فاسد وإنما الخطأ في فهم السامع . نعم قد يقال إن مجرد هذا الخطاب لا يبين كمال المطلوب ولكن فرق بين عدم دلالته على المطلوب وبين دلالته على نقيض المطلوب . فهذا الثاني هو المنفى بل وليس في القرآن ما يدل على الباطل البتة كما قد بسط في موضعه