تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
بعلم المتشابه لم يكن في ذمهم بهذا الوصف فائدة ولكان الذم على مجرد التكذيب فان هذا بمنزلة أن يقال أكذبتم بما لم تحيطوا به علما ولا يحيط به علما إلا اللّه ؟ ومن كذب بما لا يعلمه إلا اللّه كان أقرب إلى العذر من أن يكذب بما يعلمه الناس فلو لم يحط به علما الراسخون كان ترك هذا الوصف أقرب في ذمهم من ذكره « ويتبين هذا بوجه آخر هو دليل في المسألة ، وهو أن اللّه ذم الزائغين بالجهل وسوء القصد ، فإنهم يقصدون المتشابه يبتغون تأويله ولا يعلم تأويله إلا الراسخون في العلم وليسوا منهم . وهم يقصدون الفتنة لا يقصدون العلم والحق . وهذا كقوله تعالى
( وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ )
فان المعنى بقوله
« أَسْمَعَهُمْ »
أفهمهم القرآن يقول : لو علم اللّه فيهم حسن قصد وقبول للحق لأفهمهم القرآن لكن لو أفهمهم لتولوا عن الايمان وقبول الحق لسوء قصدهم . فهم جاهلون ظالمون . كذلك الذين في قلوبهم زيغ هم مذمومون بسوء القصد مع طلب علم ما ليسوا من أهله . وليس إذا عيب هؤلاء على العلم ومنعوه يعاب من حسن قصده وجعله اللّه من الراسخين في العلم « فان قيل : فأكثر السلف على أن الراسخين في العلم لا يعلمون التأويل وكذلك أكثر أهل اللغة يروى هذا عن ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعروة وقتادة وعمر بن عبد العزيز والفراء وأبى عبيد وثعلب وابن الأنباري قال ابن الأنباري في قراءة عبد اللّه : إن تأويله إلا عند اللّه والراسخون في العلم . وفي قراءة أبى وابن عباس : ويقول الراسخون في العلم . قال وقد أنزل اللّه في كتابه أشياء استأثر بعلمها كقوله تعالى
( قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ ) *
وقوله
( وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً )
فأنزل المحكم ليؤمن به المؤمن فيسعد ويكفر به الكافر فيشقى . قال ابن الأنباري والذي يروى القول الآخر عن مجاهد هو ابن أبي نجيج ولا تصح روايته التفسير عن مجاهد ، فيقال : قول القائل إن أكثر السلف على هذا قول : بلا علم فإنه لم يثبت عن أحد من الصحابة أنه قال إن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه ، بل الثابت عن الصحابة أن المتشابه يعلمه الراسخون ، وما ذكر من قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب ليس لها إسنا ، يعرف حتى يحتج بها . والمعروف عن
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 184 | الشيخ محمد رشيد رضا