بحمل التأويل في القرآن على المعنى الاصطلاحي تمسكت الباطنية في دعواهم إذ قالوا إن أحدا لم يفهم القرآن في زمن التنزيل ولا بعده وأن اللّه وعد بتأويله فلا بد من انتظار من يبعثه اللّه تعالى بهذا التأويل . والبابية وهم آخر فرقة ظهرت من الباطنية تدعى أن الباب هو ذلك الموعود به والبهائية منهم يقولون بل هو البهاء وقد سمعت من دعاتهم من يحتج بقوله تعالى
( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ )
الآية . وقد ذكرت آنفا فقلت له تأويله ما وعد به كقوله
( 47 فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً
- وقوله -
36 : 49 ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ )
فهذا وأمثاله هو تأويله . والقرآن كله مفهوم إن اشتبه منه شئ على بعض الناس علمه غيرهم . قال ابن تيمية في تفسير سورة الاخلاص بعد كلام في ذلك ما نصه :
« والمقصود هنا أنه لا يجوز أن يكون اللّه أنزل كلاما لا معنى له ولا يجوز أن يكون الرسول وجميع الأمة لا يعلمون معناه كما يقول ذلك من يقوله من المتأخرين وهذا القول يجب القطع بأنه خطأ سواء كان مع هذا تأويل القرآن لا يعلمه الراسخون أو كان للتأويل معنيان يعلمون أحدهما ولا يعلمون الآخر وإذا دار الأمر بين القول بأن الرسول كان لا يعلم معنى المتشابه من القرآن وبين أن يقال الراسخون في العلم يعلمون كان هذا الاثبات خيرا من ذلك النفي . فان معنا الدلائل الكثيرة من الكتاب والسنة وأقوال السلف على أن جميع القرآن مما يمكن علمه وفهمه وتدبره . وهذا مما يجب القطع به وليس معنا قاطع على أن الراسخين في العلم لا يعلمون تفسير المتشابه فان السلف قد قال كثير منهم إنهم يعلمون تأويله منهم مجاهد مع جلالة قدره والربيع بن أنس ومحمد بن جعفر بن الزبير ونقلوا ذلك عن ابن عباس وأنه قال « أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله » وقول أحمد فيما كتبه في الرد على الزنادقة والجهمية ، فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله وقوله عن الجهمية أنها تأولت ثلاث آيات من المتشابه ثم تكلم على معناها دليل على أن المتشابه عنده تعرف العلماء معناه وأن المذموم تأويله على غير تأويله فاما تفسيره المطابق لمعناه فهذا محمود ليس بمذموم