« قالوا : ولأنه لو كان المراد مجرد الوصف بالايمان لم يخص الراسخين بل قال والمؤمنون يقولون آمنا به فان كل مؤمن يجب عليه أن يؤمن به فلما خص الراسخين في العلم بالذكر علم أنهم امتازوا بعلم تأويله فعلموه لأنهم عالمون ، وآمنوا به لأنهم يؤمنون . وكان إيمانهم به مع العلم أكمل في الوصف وقد قال عقب ذلك
( وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ )
وهذا يدل على أن هنا تذكرا يختص به أولو الألباب فإن كان ما ثم إلا إيمان بالألفاظ فلا يذكر لما يدلهم على ما أريد بالمتشابه « * » ونظير هذا قوله في الآية الأخرى
( لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ )
فلما وصفهم بالرسوخ في العلم وأنهم يؤمنون قرن بهم المؤمنين فلو أريد هنا مجرد الايمان لقال : والراسخون في العلم والمؤمنون يقولون آمنا به ، كما قال في تلك الآية لما كان مراده مجرد الاختبار بالايمان جمع بين الطائفتين
« قالوا : وأما الذم فإنما وقع على من يتبع المتشابه لابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وهو حال أهل القصد الفاسد الذين يريدون القدح في القرآن ، فلا يطلبون إلا المتشابه لا فساد القلوب وهي فتنتها به ويطلبون تأويله . وليس طلبهم لتأويله لأجل العلم والاهتداء بل لأجل الفتنة . وكذلك صبيغ بن عسل ضربه عمر لأن قصده بالسؤال عن المتشابه كان لابتغاء الفتنة . وهذا كمن يورد أسئلة إشكالات على كلام الغير ويقول ما ذا أريد بكذا ؟ وغرضه التشكيك والطعن فيه ليس غرضه معرفة الحق وهؤلاء هم الذين عناهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله « إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه » ولهذا يتبعون اى يطلبون المتشابه ويقصدونه دون المحكم مثل المستتبع للشئ الذي يتحراه ويقصده وهذا فعل من قصده الفتنة وأما من سأل عن معنى المتشابه ليعرفه ويزيل ما عرض له من الشبهة وهو عالم بالمحكم متبع له مؤمن بالمتشابه لا يقصد فتنة ، فهذا لم يذمه اللّه . وهكذا كان الصحابة رضى اللّه عنهم يقولون مثل الأثر المعروف الذي رواه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني : حدثنا يزيد بن عبد ربه ثنا بقية ثنا عتبة بن أبي حكيم
هامش
( * ) لعل هنا تحريفا والمعنى أنه لم يكن هناك إلا إيمان باللفظ لم يتحقق التذكر