وهذا يقتضى أن الراسخين في العلم يعلمون التأويل الصحيح للمتشابه عنده وهو التفسير في لغة السلف ولهذا لم يقل أحمد ولا غيره من السلف إن في القرآن آيات لا يعرف الرسول ولا غيره معناها بل يتلون لفظا لا يعرفون معناه
وهذا القول اختيار كثير من أهل السنة ، منهم ابن قتيبة وأبو سليمان الدمشقي وغيرهما . وابن قتيبة من المنتسبين إلى أحمد واسحق والمنتصرين لمذاهب السنة المشهورة وله في ذلك مصنفات متعددة قال فيه صاحب كتاب التحديث بمناقب أهل الحديث : وهو أحد أعلام الأئمة والعلماء والفضلاء أجودهم تصنيفا وأحسنهم ترصيفا له زهاء ثلاثمائة مصنف وكان يميل إلى مذهب أحمد واسحق وكان معاصرا لإبراهيم الحربي ومحمد بن نصر المروزي وكان أهل المغرب يعظمونه ويقولون : من استجاز الوقيعة في ابن قتيبة يتهم بالزندقة ، ويقولون كل بيت ليس فيه شئ تصنيفه لا خير فيه . قلت ويقال هو لأهل السنة مثل الجاحظ للمعتزلة فإنه خطيب السنة ، كما أن الجاحظ خطيب المعتزلة وقد نقل عن ابن عباس أيضا القول الآخر ونقل ذلك عن غيره من الصحابة وطائفة من التابعين ولم يذكر هؤلاء على قولهم نصا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فصارت مسألة نزاع فترد إلى اللّه والرسول ، وأولئك احتجوا بأنه قرن ابتغاء الفتنة بابتغاء تأويله وبأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذم مبتغى المتشابه وقال « إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم » ولهذا ضرب عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه صبيغ بن عسل لما سأله عن المتشابه ولأنه قال
( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ )
ولو كانت الواو واو عطف مفرد على مفرد لا واو الاستئناف التي تعطف جملة على جملة لقال : ويقولون :
فأجاب الآخرون عن هذا بأن اللّه قال
( لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً )
ثم قال
( وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ )
ثم قال
( وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ )
قالوا : فهذا عطف مفرد على مفرد والفعل حال من المعطوف فقط . وهو نظير قوله
( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا )