للقرآن شبهة نبالي بكشفها كما قال الأستاذ الامام روح اللّه روحه في مقام الرضوان
( فان قيل ) ان قصص العهدين العتيق والجديد التي يسمى مجموعها ( الكتاب المقدس ) هي وحي من اللّه شهد لها القرآن وهي تعارض بعض قصصه ( قلنا ) أولا ان تلك الكتب ليس لها أسانيد متصلة متواترة ، وثانيا ان القرآن إنما أثبت ان اللّه تعالى أعطى موسى ( ع م ) التوراة وهي الشريعة وان أتباعه قد حفظوا منها نصيبا ونسوا نصيبا ، وانهم حرفوا النصيب الذي أوتوه ، وانه أعطى عيسى ( ع م ) الإنجيل وهو مواعظ وبشارة وقال في أتباعه مثل ما قال في اليهود ( فنسوا حظا مما ذكروا به ) ويجد القارئ تفصيل هذه الحقائق في تفسير سورة آل عمران والمائدة والأعراف بالنقول من تاريخ الفريقين
بعد هذا نقول إن وجه الاتصال بين آيات هذه القصة وما قبلها هو أن الآيات التي قبلها نزلت في شرع القتال لحماية الحقيقة وإعلاء شأن الحق ، وبذل المال في هذه السبيل سبيل اللّه لعزة الأمم ومنعتها وحياتها الطيبة ، التي يقع من ينحرف عنها من الأقوام في الهلاك والموت ، كما علم من قصة الذين خرجوا من ديارهم فارين من عدوهم على كثرتهم . وهذه القصة - قصة قوم من بني إسرائيل - تؤيد ما قبلها من حاجة الأمم إلى دفع الهلاك عنها ، فهي تمثل لنا حال قوم لهم نبي يرجعون اليه ، وعندهم شريعة تهدبهم إذا استهدوا ، وقد أخرجوا من ديارهم وأبنائهم بالقهر ، كما خرج أصحاب القصة الأولى بالجبن ، فعلموا أن القتال ضرورة لا بد من ارتكابها ما دام العدوان في البشر ، وبعد هذا كله جبنوا وضعفوا عن القتال ، فاستحقوا الخزي والنكال ، فهذه القصة المفصلة ، فيها بيان لما في تلك القصة المجملة : فر أولئك من ديارهم فماتوا بذهاب استقلالهم ، واستيلاء العدو على ديارهم . فالآية هناك صريحة في أن موتهم هذا مسبب عن خروجهم فارين بجبنهم ، ولم تصرح بسبب احيائهم الذي تراخت مدته ، ولكن ما جاء بعدها من الامر بالقتال وبذل المال الذي يضاعفه اللّه تعالى أضعافا كثيرة ، قد هدانا إلى سنته في حياة الأمم ، وجاءت هذه القصة الإسرائيلية تمثل العبرة فيه ، وتفصل كيفية احتياج الناس اليه ، إذ بينت أن هؤلاء الناس احتاجوا إلى مدافعة العادين عليهم ، واسترجاع ديارهم وأبنائهم من
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 474
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٤٧٤