تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 471

مساهمون:

ص٤٧١
تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ ؟ )
إن القرآن لم يعين أولئك القوم ولا الزمان ولا المكان اللذين كانوا فيهما ( يعني على القول بأنها قصة واقعة لا ضرب مثل كما قال عطاء ) ثم ذكر ههنا قصة أخرى عن بني إسرائيل فعين القوم وذكر أنه كان لهم نبي ولم يذكر اسمه ولا الزمان ولا المكان اللذين حدثت فيهما القصة ولكنه ذكر بعد ذلك اسم طالوت وجالوت وداود يظن كثير من الناس الآن - كما ظن كثير ممن قبلهم - ان القصص التي جاءت في القرآن يجب أن تتفق مع ما جاء في كتب بني إسرائيل المعروفة عند النصارى بالعهد العتيق أو كتب التاريخ القديمة ، وليس القرآن تاريخا ولا قصصا ، وإنما هو هداية وموعظة ، فلا يذكر قصة لبيان تاريخ حدوثها ، ولا لأجل التفكه بها أو الإحاطة بتفصيلها ، وإنما يذكر ما يذكره لأجل العبرة كما قال
( 12 : 111 لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ )
وبيان سنن الاجتماع كما قال
( 3 : 137 قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ )
وقال
( 40 : 85 سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ )
وغير ذلك من الآيات والحوادث المتقدمة منها ما هو معروف واللّه تعالى يذكر من هذا وذاك ما شاء أن يذكر لأجل العبرة والموعظة ، فيكتفي من القصة بموضع العبرة ومحل الفائدة ، ولا يأتي بها مفصلة بجزئياتها التي لا تزيد في العبرة بل ربما تشغل عنها ، فلا غرو أن يكون في هذه القصص التي يعظنا اللّه بها ويعلمنا سننه ما لا يعرفه الناس ، لأنه لم يرو ولم يدون بالكتاب . وقد اهتدى بعض المؤرخين الراقين في هذه الأزمنة إلى الاقتداء بهذا ، فصار أهل المنزلة العالية منهم يذكرون من وقائع التاريخ ما يستنبطون منه الاحكام الاجتماعية وهو الأمور الكلية ، ولا يحفلون بالجزئيات لما يقع فيها من الخلاف الذي يذهب بالثقة ، ولما في قراءتها من الاسراف في الزمن والإضاعة للعمر بغير فائدة توازيه ، وبهذه الطريقة يمكن ايداع ما عرف من تاريخ العالم في مجلد واحد يوثق به ويستفاد منه ، فلا يكون عرضة للتكذيب والطعن ، كما هو الشأن في المصنفات التي تستقصي الوقائع الجزئية مفصلة تفصيلا ان محاولة جعل قصص القرآن ككتب التاريخ بادخال ما يروون فيها على أنه
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 471 | الشيخ محمد رشيد رضا