تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 472

مساهمون:

ص٤٧٢
بيان لها هي مخالفة لسنته ، وصرف للقلوب عن موعظته ، وإضاعة لمقصده وحكمته ، فالواجب أن نفهم ما فيه ، ونعمل أفكارنا في استخراج العبر منه . ونزع نفوسنا عما ذمه وقبحه ، ونحملها على التحلي بما استحسنه ومدحه ، وإذا ورد في كتب أهل الملل أو المؤرخين ما يخالف بعض هذه القصص فعلينا أن نجزم بأن ما أوحاه اللّه إلى نبيه ونقل الينا بالتواتر الصحيح هو الحق وخبره هو الصادق ، وما خالفه هو الباطل ، وناقله مخطيء أو كاذب ، فلا نعده شبهة على القرآن ، ولا نكلف أنفسنا الجواب عنه ، فان حال التاريخ قبل الاسلام كانت مشتبهة الاعلام ، حالكة الظلام ، فلا رواية يوثق يها ، للمعرفة التامة بسيرة رجال سندها ، ولا تواتر يعتد به بالأولى ، وإنما انتقل العالم بعد نزول القرآن من حال إلى حال ، فكان بداية تاريخ جديد للبشر كان يجب عليهم - لو أنصفوا - أن يؤرخوا به أجمعين اه أقول إن الذي يسبق إلى الذهن من هذا القول هو أن ما كان من شؤون الأمم وسير العالم بعد الاسلام لم ينطمس ولم تذهب الثقة به ، ولم ينقطع سند رواته كما كان قبله . وبيان ذلك بالاجمال أن القرآن قد جاء البشر بهداية جديدة كاملة كانوا قد استعدوا للاهتداء بها بالتدريج الذي هو سنة اللّه تعالى فيهم ، فكان من عمل المسلمين في حفظ العلم والتاريخ العناية التامة بالرواية ما يقبل منها وما لا يقبل ، ولذلك ألفوا الكتب في تاريخ الرواة لتعرف سيرتهم ، ويتبين الصادق والكاذب منهم ، وتعرف الرواية المتصلة والمنقطعة ، وبحثوا في الكتب المؤلفة متى يوثق بنسبتها إلى مؤلفيها ، وبينوا حقيقة التواتر الذي يفيد اليقين ، والفرق بينه وبين ما يشتهر من روايات الآحاد ، فبهذه العناية لم ينقطع سند لنوع من أنواع العلم التي وجدت في المسلمين ، على أن العناية بعلوم الدين أصولها وفروعها كانت أثم ، ثم كان شأن من قفى على آثارهم في العلوم والمعارف بعد ضعف حضارتهم على نحو من شأنهم في التصنيف ، وإن كان دونهم في ضبط الرواية ونقدها والأمانة فيها ، فلم يضع شيء من العلوم والفنون ولا من الحوادث والوقائع التي جرت في العالم بعد الاسلام ، وما اختلف الرواة والمصنفون في جزئياته من تاريخ الاسلام وغيره يسهل تصفيته في جملته ، وأخذ المصفى منه لأجل الاعتبار به ، وعرفان سنن الاجتماع منه ، جريا على هدي القرآن فيه