لقد وصل الراقون في مدارج العمران اليوم إلى درجة يسهل عليهم فيها من ضبط جزئيات الوقائع ما لم يكن يسهل على من قبلهم ، كاستخدام الكهرباء في نقل الاخبار لمن يدونها في الصحف وتصوير الوقائع والمعاهد بما يسمونه التصوير الشمس ( فوتغرافيا ) وسهولة الانتقال على الكاتبين من مكان إلى مكان ، وتأمين الحكام لهم من المخاوف وغير ذلك . وقد اجتمع من هذه الوسائل في الحرب التي كانت في هذين العامين بين دولتي اليابان وروسيا ما لم يجتمع لمدوني التاريخ في غيرها من الحروب ولا غير الحروب من حوادث الزمان ، وقد كان لأشهر الجرائد الغربية مكاتبون في مواقع الحرب يتبارون في السبق إلى الوقوف على جزئيات الحوادث وإيصالها إلى جرائدهم ، كما تفعل شركات البرقيات ( التلغرافات ) في إنباء المشتركين فيها بذلك ، وكنا نرى في رسائل الفريقين من الخلاف والتناقض ما يتعذر معه العلم بالحقيقة ؛ وكم من رسالة للشركات البرقية ولمكاتبي الجرائد كانت من المسائل المتفق عليها فتبين بعد ذلك كذبها « 1 » فهذه آية بينة على أنه لا سبيل إلى الثقة بجزئيات الوقائع التي تحدث في عصرنا ويعنى المؤرخون أشد العناية بضبطها ، الا ما يبلغ رواته المتفقون عليه مبلغ التواتر الصحيح وقليل ما هو ، فما بالك بما كان في الأمم الخالية ؟
وجملة القول إن طريقة القرآن في قصص الذين خلوا هي منتهى الحكمة وما كان لمحمد الأمي الناشئ في تلك الجاهلية الأمية أن يرتقي إليها بفكره ، وقد جهلها الحكماء في عصره وقبل عصره ، ولكنها هداية اللّه تعالى لعباده أوحاها إلى صفوته منهم صلّى اللّه عليه وسلّم
( 7 : 43 وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ )
فعلينا وقد ظهرت الآية ووضحت السبيل أن لا نلتفت إلى روايات الغابرين في تلك القصص ولا نعد مخالفتها
هامش
( 1 ) كتب هذا ونشر سنة 1323 ه الموافق 1905 م وقد ترقت العلوم والفنون بعد ذلك وازداد ارتقاؤها في أثناء الحرب العالمية الكبرى التي دامت أربع سنين ( من سنة 1914 - 1908 ) وبعدها وأهمها في المواصلات الاخبارية نقل الطيارات للبريد بسرعة عجيبة واستحداث ( التلفون ) والتلغراف الهوائي ( اللاسلكي ) بين الأقطار فصار أهل مصر يتكلمون مع أهل أوربة ثم آلة ( المذياع ) التي تسمع أهل مصر الخطب السياسية والمحاضرات العلمية والأغاني التي تلقى في أوربة وأمريكة واليابان والهند وغيرها