تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 477

مساهمون:

ص٤٧٧
الشعب فكان أطول من كل الشعب من كتفه فما فوق » واعترض بمنع صرفه وقال الأستاذ الامام عند ذكر طالوت هو الذي يسمونه ( شاول ) وقد سماه اللّه طالوت فهو طالوت . أي اننا لا نعبأ بما في كتبهم لما قدمنا . وإذا علم القارئ أن القوم لا يعرفون كاتب سفري صموئيل الأول والثاني من هو ؟ ولا في أي زمن كتبا ، فإنه يسهل عليه أن لا يعتد بتسميتهم ، وأما استنكارهم جعله ملكا فقد صرحوا به وقالوا إن منهم من احتقره ، ولكن أخبارهم لا تتصل بأسبابها ، ولا تقرن بعللها وقال المفسرون في استنكارهم لملكه وزعمهم انهم أحق بالملك منه ، انه كان من أولاد بنيامين لا من بيت يهوذا ، وهو بيت الملك ، ولا من بيت لاوي وهو بيت النبوة ، وفهم بعضهم من قوله
( وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ )
انه كان فقيرا وقالوا كان راعيا أو دباغا أو سقاء . ولا يصح كلامهم في بيت الملك لأنه لم يكن فيهم ملوك قبله ، ونفيهم سعة المال التي تؤهله للملك في رأي القائلين لا تدل على أنه كان فقيرا . وإنما العبرة في العبارة هي ما دلت عليه من طباع الناس وهي انهم يرون ان الملك لا بد أن يكون وارثا للملك ، أو ذا نسب عظيم يسهل على شرفاء الناس وعظمائهم الخضوع له ، وذا مال عظيم يدبر به الملك ، والسبب في هذا انهم قد اعتادوا الخضوع للشرفاء والأغنياء ، وإن لم يمتازوا عليهم بمعارفهم وصفاتهم الذاتية ، فبين اللّه تعالى فيما حكاه عن نبيه في أولئك القوم أنهم مخطئون في زعمهم ان استحقاق الملك يكون بالنسب وسعة المال بقوله
قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ
فسروا اصطفاء اللّه تعالى هنا بوحيه لذلك النبي أن يجعل طالوت ملكا عليهم ، ولعله لو كان هذا هو المراد لقال اصطفاه لكم كما قال
( 2 : 122 اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ )
والمتبادر عندي ان معناه فضله واختاره عليكم بما أودع فيه من الاستعداد الفطري للملك ، ولا ينافي هذا كون اختياره كان بوحي من اللّه ، لأن هذه الأمور هي بيان لأسباب الاختيار وهي أربعة ( 1 ) الاستعداد الفطري و ( 2 ) السعة في العلم الذي يكون به التدبير و ( 3 ) بسطة الجسم المعبر بها عن صحته وكمال قواه المستلزم ذلك لصحة الفكر على قاعدة « العقل السليم في الجسم السليم » وللشجاعة والقدرة على المدافعة وللهيبة والوقار