من الفوائد الاجتماعية أن الأمم التي تفسد أخلاقها وتضعف قد تفكر في المدافعة عند الحاجة إليها وتعزم على القيام بها إذا توفرت شرائطها التي يتخيلونها على حد قول الشاعر
وإذا ما خلا الجبان بأرض * طلب الطعن وحده والنزالا
ثم إذا توفرت الشروط يضعفون ويجبنون ، ويزعمون أنها غير كافية ليعذروا أنفسهم وما هم بمعذورين
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ *
الذين يظلمون أنفسهم وأمتهم بترك الجهاد دفاعا عنها وحفظا لحقها ، فهو يجزيهم وصفهم ، فيكونون في الدنيا أذلاء مستضعفين ، وفي الآخرة أشقياء معذبين
أقول وفي تاريخ أهل الكتاب ما يفيد ان بني إسرائيل كانوا في الزمن الذي بعث فيه صموئيل نبيا ملهما قد انحرفوا عن شريعة موسى ونسوها ، فعبدوا من دون اللّه آلهة أخرى ، فضعفت رابطتهم الملية ، وسلط اللّه عليهم الفلسطينيين فحاربوهم حتى أثخنوهم فانكسروا ، وسقط منهم ثلاثون ألف مقاتل ، وأخذ تابوت عهد الرب منهم ، وكان بنو إسرائيل يستفتحون ( أي يستنصرون ويطلبون الفتح ) به على أعدائهم فلما أخذه أهل فلسطين انكسرت قلوب بني إسرائيل ولم تنهض همتهم لاسترداده وكانوا إلى ذلك العهد لا ملوك لهم ، وإنما كان رؤساؤهم القضاة بالشريعة ، ومنهم الأنبياء ومنهم صموئيل كان قاضيا فلما شاخ جعل بنيه قضاة وكان ولده البكر وولده الثاني من قضاة الجور وأكلة الرشوة ، فاجتمع كل شيوخ بني إسرائيل ( وهم المعبر عنهم في القرآن بالملأ ) وطلبوا من صموئيل أن يختار لهم ملكا يحكم فيهم كسائر الشعوب فحذرهم وأنذرهم ظلم الملوك واستعبادهم للأمم ، فألحوا فألهمه للّه تعالى أن يختار لهم طالوت ملكا ، واسمه عندهم شاول فذلك قوله تعالى
* * *
وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ ؟
الظاهر أن طالوت تعريب لشاول ، وإن كان بعيدا منه في اللفظ ، وقيل إنه لقب له من الطول ، كملكوت من الملك وأمثالها ، وذلك أنه كان طويلا مشذبا ، ففي سفر صموئيل الأول من العهد العتيق « من كتفه فما فوق كان أطول من كل الشعب » وفيه « فوقف بين