تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
فيعتبر الباقون فينهضون إلى تدارك ما فات ، والاستعداد لما هو آت ، ويتعلمون من فعل عدوهم بهم كيف يدفعونه عنهم ، قال علي كرم اللّه وجهه إن بقية السيف هي الباقية ، أي التي يحيا بها أولئك الميتون : فالموت والاحياء واقعان على القوم في مجموعهم ، على ما عهدنا في أسلوب القرآن إذ خاطب بني إسرائيل في زمن تنزيله بما كان من آبائهم الأولين ، بمثل قوم
( 2 : 49 أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ
- وقوله -
2 : 56 ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ )
وغير ذلك ، وقلنا إن الحكمة في هذا الخطاب تقرير معنى وحدة الأمة وتكافلها ، وتأثير سيرة بعضها في بعض حتى كأنها شخص واحد ، وكل جماعة منها كعضو منه ، فان انقطع العضو العامل لم يكن ذلك مانعا من مخاطبة الشخص بما عمله قبل قطعه ، وهذا الاستعمال معهود في سائر الكلام العربي يقال : هجمنا على بني فلان حتى أفنيناهم أو أتينا عليهم ، ثم أجمعوا أمرهم وكروا علينا ( مثلا ) وانما كر عليهم من بقي منهم ( أقول ) وإطلاق الحياة على الحالة المعنوية الشريفة في الاشخاص والأمم والموت على مقابلها معهود كقوله تعالى
( 8 : 24 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ )
وقوله
( 6 : 122 أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها )
الآية وانظر إلى دقة التعبير في عطف الامر بالموت على الخروج من الديار بالفاء الدالة على اتصال الهلاك بالفرار من العدو ، وإلى عطفه الاخبار باحيائهم بثم الدالة على تراخي ذلك وتأخره ، ولان الأمة إذا شعرت بعلة البلاء بعد وقوعه بها وذهابه باستقلالها فإنه لا يتيسر لها تدارك ما فات إلا في زمن طويل ، فما قرره الأستاذ الامام هو ما يعطيه النظم البليغ وتؤبده السنن الحكيمة ، وأما الموت الطبيعي فهو لا يتكرر كما علم من سنة اللّه ومن كتابه إذ قال
( 44 : 56 لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى )
وقال
( 4 : 11 وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ )
ولذلك أول بعضهم الموت هنا بأنه نوع من السكتة والاغماء الشديد لم تفارق به الأرواح أبدانها ، وقد قال بعد ما قرره : هذا هو المتبادر فلا نحمل القرآن ما لا يحمل لنطبقه على بعض قصص بني إسرائيل ، والقرآن لم يقل ان أولئك الألوف منهم كما قال في الآيات