إلى حال هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم
وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ
فان حالهم عجيبة من حقها ألا تجهل ، فإنهم في كثرتهم أحقاء بأن يكونوا لهم من الشجاعة ما يربأ بهم عن الخروج من وطنهم حذرا من الموت
قال شيخنا الأستاذ الامام في هذا المثل ما مثاله : وفي تفسير ابن كثير عن ابن جريح عن عطاء أن هذا مثل أي لا قصة وقعة
أطلق القرآن القول في هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم ولم يعين عددهم ولا أمتهم ولا بلدهم ولو علم لنا خيرا في التعيين والتفصيل لتفضل علينا بذلك في كتابه المبين ، فنأخذ القرآن على ما هو عليه لا ندخل فيه شيئا من الروايات الإسرائيلية التي ذكروها ، وهي صارفة عن العبرة لا مزيد كمال فيها ، والمتبادر من السياق أن أولئك القوم قد خرجوا من ديارهم بسائق الخوف من عدو مهاجم لا من قلتهم ، فقد كانوا ألوفا أي كثيرين ، وإنما هو الحذر من الموت الذي يولده الجبن في أنفس الجبناء فيريهم أن الفرار من القتال هو الواقي من الموت ، وما هو إلا سبب الموت بما يمكن الأعداء من رقاب أهله ، قال أبو الطيب
يرى الجبناء أن الجبن حزم * وتلك خديعة الطبع اللئيم
قال الأستاذ الامام في قول ( الجلال ) ان الاستفهام بها استفهام تعجيب وتشويق :
أي ان الاستفهام الحقيقي ممتنع من اللّه تعالى ولذلك كان أكثر استفهام القرآن للانكار أو للتقرير . ولكن الاستفهام هنا لشيء آخر وهو ما يحدث العجب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويوجب الشوق له إلى ما يقص عليه ، والمعنى ألم ينته علمك إلى حال هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم الخ والرؤية بمعنى العلم يمتنع أن تكون بصرية ولم يقل ألم تعلم للاشعار بأن الامر المحكي عنه قد انتهى في الوضوح والتحقق إلى مرتبة المرئي
أقول : ولا يشترط أن تكون القصة في مثل هذا التعبير واقعة بل يصح مثله في القصص التمثيلية ، إذ يراد أن من شأن مثلها في وضوحه أن يكون معلوما حتى كأنه مرئي بالعينين . ومنه ما نبهنا عليه من الفرق بين العطف بالفاء وبثم ، وقد قالوا إن العطف في قوله تعالى
( وَقاتِلُوا ) *
للاستئناف ، لان الجملة المبدوءة بالواو هنا جديدة لا تشارك ما قبلها في إعرابه ولا في حكمه الذي يعطيه العطف