تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨
قال الأستاذ الامام وهذا لا يمنع أن يكون بين الجملة المبدوءة بواو الاستئناف وبين ما قبلها تناسب وارتباط في المعنى غير ارتباط العطف والمشاركة في الاعراب ، كما هو الشأن هنا ، فان الآية الأولى مبينة لفائدة القتال في الدفاع عن الحق أو الحقيقة ، والثانية آمرة به بعد تقرير حكمته وبيان وجه الحاجة اليه ، فالارتباط بينهما شديد الأواخي ، لا يعتر به التراخي خرجوا فارين
فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا
أي أماتهم بامكان العدو منهم ، فالامر أمر التكوين لا أمر التشريع أي قضت سنته في خلقه بأن يموتوا بما أنوه من سبب الموت ، وهو تمكين العدو المحارب من أقفائهم بالفرار ، ففتك بهم وقتل أكثرهم . ولم يصرح بأنهم ماتوا لأن أمر التكوين عبارة عن مشيئته سبحانه فلا يمكن تخلفه وللاستغناء عن التصريح بقوله بعد ذلك
ثُمَّ أَحْياهُمْ
وإنما يكون الاحياء بعد الموت . والكلام في القوم لا في أفراد لهم خصوصية ، لان المراد بيان سنته تعالى في الأمم التي تجبن فلا تدافع العادين عليها ، ومعنى حياة الأمم وموتها في عرف الناس جميعهم معروف . فمعنى موت أولئك القوم هو أن العدو نكل بهم فأفنى قوتهم ، وأزال استقلال أمتهم ، حتى صارت لا تعد أمة ، بأن تفرق شملها ، وذهبت جامعتها ، فكان من بقي من أفرادها خاضعين للغالبين ضائعين فيهم ، مدغمين في غمارهم ، لا وجود لهم في أنفسهم ، وإنما وجودهم تابع لوجود غيرهم . ومعنى حياتهم هو عود الاستقلال إليهم . ذلك ان من رحمة اللّه تعالى في البلاء يصيب الناس أنه يكون تأديبا لهم ، ومطهرا لنفوسهم مما عرض لها من دنس الاخلاق الذميمة . أشعر اللّه أولئك القوم بسوء عاقبة الجبن والخوف والفشل والتخاذل بما أذاقهم من مرارتها ، فجمعوا كلمتهم ، ووثقوا رابطتهم ، حتى عادت لهم وحدتهم قوية فاعتزوا وكثروا إلى أن خرجوا من ذل العبودية التي كانوا فيها إلى عز الاستقلال ، فهذا معنى حياة الأمم وموتها - يموت قوم منهم باحتمال الظلم ، وبذل الآخرون حتى كأنهم أموات ، إذ لا تصدر عنهم أعمال الأمم الحية ، من حفظ سياج الوحدة ، وحماية البيضة ، بتكافل أفراد الأمة ومنعتهم ،