تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
والمراوغة ، والفرار من الاستعداد والمدافعة ، فإذا علمنا هذا وحاسبنا به أنفسنا ، عرفنا ان كلا من المعتذر بلسانه ، والمتعلل بفعاله ، مخادع لربه ولنفسه وقومه ، قال الأستاذ الامام بعد نحو مما تقدم ، وكثير من الناس يهزأ بنفسه وهو لا يدري إذ يصدق ما يعتاده من التوهم ، وهذه شنشنة المخذولين الذين ضربت عليهم الذلة وخيم عليهم الشقاء ، تعمل فيهم هذه الوساوس ما لا تعمل الحقائق ، وقد انذرنا اللّه تعالى أن نكون مثلهم بتذكيرنا بأنه سميع عليم ، لا يخادع ولا يخفى عليه شيء . ونقول إن هذا التذكير كان بالامر بالعلم لا بمجرد القول أو التسليم ، فمن علم علما صحيحا أن اللّه سميع لما يقول عليم بما يفعل ، حاسب نفسه وناقشها ، ومن حاسب نفسه وناقشها تجلى له كل آن من تقصيرها ما يحمله على التشمير لتدارك ما فات ، والاستعداد لما هو آت ، فمن تراه مشمرا فاعلم أنه عالم ، ومن تراه مقصرا فاعلم بأنه مغرور آثم * * *
( 245 ) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
* * * القتال للدفاع عن الحق أو لحماية الحقيقة يتوقف على بذل المال لتجهيز المقاتلة ولغير ذلك ، لا فصل في الحاجة إلى هذا بين البدو والحضر ، فإذا كانت مقاتلة القبائل البدوية لا تكلف رئيسها أن يتولى تجهيزها بل يجهز كل واحد نفسه ، فكل واحد مطالب ببذل المال لتجهيز نفسه وإعانة من يعجز عن ذلك من فقراء قومه ، وأما دول الحضارة فهي تحتاج في الاستعداد للمدافعة والمهاجمة ما لا يحتاج اليه أهل البادية ، وقد كثرت نفقات الدول الحربية اليوم بارتقاء الفنون العسكرية ، وتوقف الحرب على علوم وفنون وصناعات كثيرة من قصر فيها كان عرضة لسقوط دولته لهذا قرن اللّه تعالى الامر بالقتال ، بالحث على بذل المال ، فالمراد بالبذل هنا ما يعين على القتال ، وما هو بمعناه من كل ما يعلي شأن الدين ، ويصون الأمة ويمنعها من عدوان العادين ، ويرفع مكانتها في العالمين وقد ذكر حكم هذا الانفاق في سبيل اللّه بعبارة تستفز النفوس ، وأسلوب يحفز