تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠
الآتية وغيرها ، ولو فرضنا صحة ما قالوه من أنهم هربوا من الطاعون وأن الفائدة في إيراد قصتهم بيان أنه لا مفر من الموت لما كان لنا مندوحة عن تفسير إحيائهم بأن الباقين منهم تناسلوا بعد ذلك وكثروا ، وكانت الأمة بهم حية عزيزة ، ليصح أن تكون الآية تمهيدا لما بعدها مرتبطة به ، واللّه تعالى لا يأمرنا بالقتال لأجل أن نقتل ثم يحيينا بمعنى أنه يبعث من قتل منا بعد موتهم في هذه الحياة الدنيا
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ *
كافة بما جعل في موتهم من الحياة إذ جعل المصائب والعظائم ، محيية للهمم والعزائم ، كما جعل الهلع والجبن وغيرهما من الاخلاق التي أفسدها الترف والسرف من أسباب ضعف الأمم ، وجعل ضعف أمة مغريا لامة قوية بالوثبان عليها ، والاعتداء على استقلالها ، وجعل الاعتداء منبها للقوى الكامنة في المعتدى عليه ، وملجئا له إلى استعمال مواهب اللّه فيما وهبت لأجله ، حتى تحيا الأمم حياة عزيزة ، ويظهر فضل اللّه تعالى فيها قال الأستاذ الامام المراد بالفضل هنا الفضل العام وهو أنه تعالى جعل إماتة الناس بما يسلط على الأمة من الأعداء ينكلون بها بمثابة هدم البناء القديم المتداعي والضرورة قاضية ببناء فلا جرم تنبعث الهمة إلى هذا البناء الجديد فيكون حياة جديدة للأمة ، تفسد أخلاق لأمم فتسوء الاعمال ، فيسلط للّه على فاسدي الاخلاق النكبات ليتأدب الباقي منهم ، فيجتهدوا في إزالة الفساد وإدالة الصلاح ، ويكون ما هلك من الأمة بمثابة العضو الفاسد المصاب بالغنغر بنا يبتره الطبيب ليسلم الجسد كله ، ومن لا يقبل هذا التأديب الإلهي فان عدل اللّه في الأرض يمحقه منها
( 2 : 270 وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ) *
فهذه سنة من سنن الاجتماع بينها القرآن وكان الناس في غفلة عنها ولهذا قال
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ *
أي لا يقومون بحقوق هذه النعمة ، ولا يستفيدون من بيان هذه السنة ، أي هذا شأن أكثر الناس في غفلتهم وجهلهم بحكمة ربهم ، فلا تكونوا كذلك أيها المؤمنون بل استبروا بما نزل عليكم وتأدبوا به لتستفيدوا من كل حوادث الكون حتى مما ينزل بكم من البلاء إذا وقع منكم تفريط في بعض الشؤون ،