والقائلون بهذا منهم من يقول إنها واجبة لكل مطلقة ومنهم من يقول واجبة لمن لم تمس ولم يفرض لها مندوبة لغيرها . وحجة من قال إن التمتيع خاص بمن لم تمس ولم يفرض لها هي أنه بدل مما يجب لغيرها من نصف المهر ان فرض لها ولم تمس أو المهر المسمى أو مهر المثل إذا كانت ممسوسة . وحسبنا ان اللّه تعالى جعل تمتيع المطلقات حقا على المتقين ، وقد فسروه بالذين يتقون الشرك ، أو هو حق على كل مؤمن مطلقا الا ان يثبت أن ما تستحقه من المهر يسمى متاعا في عرف القرآن فحينئذ تكون هذه الآية فذلكة لسائر الآيات ، كأنه قال لكل مطلقة متاع تمتع به فمنهن من متاعها المهر المسمى أو المقدر ومنهن من متاعها نصفه ومنهن من لها متاع غير محدود لأنه على حسب الاستطاعة . وأحوط الأقوال وأوسطها قول من جعل المتعة غير المهر وأوجها لمن لا تستحق مهرا وندبها لغيرها
* * *
ثم ختم اللّه تعالى هذه الأحكام بقوله
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
أي مضت سنته تعالى بأن يبين لكم آياته في أحكام دينه مثل هذا النحو من البيان ، وهو أن يذكر الحكم وفائدته ويقرنه بذكر اللّه والموعظة الحسنة التي تعين على العمل به ، ليعدكم بذلك لكمال العقل فتتحروا الاستفادة من كل عمل فعليكم أن تعقلوا ما تخاطبون به لتكونوا على بصيرة من دينكم ، عارفين بانطباق أحكامه على مصالحكم بما فيها من تزكية نفوسكم والتأليف بين قلوبكم ، فتكونوا حقيقين بإقامتها والمحافظة عليها . قال الأستاذ الامام ليس معنى العقل أن يجعل المعنى في حاشية من حواشي الدماغ ، غير مستقر في الذهن ولا مؤثر في النفس ، بل معناه أن يتدير الشيء ويتأمله حتى تذعن نفسه لما أودع فيه إذعانا يكون له أثر في العمل ، فمن لم يعقل الكلام بهذا المعنى فهو ميت وإن كان يزعم أنه حي - ميت من عالم العقلاء ، حي بالحياة الحيوانية - وقد فهمنا هذه الأحكام ولكن ما عقلناها ، ولو عقلناها لما أهملناها :
وأقول أين هذه الطريقة المثلى في بيان الاحكام من طريقة الكتب المعروفة عندنا بكتب الفقه ، وهي غفل في الغالب من بيان فائدة الاحكام وانطباقها على مصالح البشر في كل زمان ومزجها بالوعظ والتذكير ؟ وأين أهل التقليد من هدى