تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 450

مساهمون:

ص٤٥٠
يُتَوَفَّوْنَ »
فيه على ظاهره والجمهور يجعلونه بمعنى الذين تحضرهم الوفاة كأن هذه الوصية لا تجب عند القائل بوجوبها الا على من يشعر بدنو أجله . وثانيهما ما علم من عادة العرب في إلزام المرأة بيت زوجها المتوفى سنة كاملة ، فلما جعل الاسلام عدتها أربعة أشهر وعشرا كان من مقتضاه أن يخرجها الورثة من البيت بعد مضي العدة فإذا كانت غير راغبة في الزواج يشق عليها ذلك فكان من اللائق المتوقع من الزوج الوفي أن يوصي بعدم اخراجها قبل الحول المعتاد جبر القلبها ، وأن لا تكلف النفقة على نفسها ما دامت في البيت ، وقد بين اللّه تعالى للناس أنه لا حرج على أولياء الميت وورثته فيما تفعله المرأة إذا هي خرجت من بينهم ، لان كفالتهم إياها تسقط حينئذ من غير تقصير منهم في اكرامها ، وانما قيد الفعل بالمعروف لان منعها عن المنكر واجب عليهم ، فإذا قصروا فيه كان عليهم جناح عظيم . وهذا الوجه الثاني يتفق مع التفسير المختار عن الأستاذ الامام وهو أن الوصية للندب لا للوجوب . والوجه الأول يمكن التفصي منه بجعل الوصية من اللّه تعالى لامن المتوفى ، والتقدير على الوجه المختار : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية من اللّه لأزواجهم أو فاللّه يوصي وصية لأزواجهم أن يمتعن متاعا ولا يخرجن من بيوت أزواجهن إلى تمام الحول ، فان خرجن من تلقاء أنفسهن فلا جناح عليكم أيها المخاطبون بالوصية فيهم في ما فعلن من المعروف شرعا وعادة كالتعرض للخطاب بعد العدة والتزوج ، إذ لا ولاية لكم عليهن فهن حرائر لا يمنعن الامن المنكر الذي يمنع منه كل مكلف . وجعل الوصية من اللّه تعالى معهود في القرآن كقوله
« يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ »
وقوله
« غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ »
وهذا هو المتبادر من النظم الكريم فهو أظهر من قول أبي مسلم ولا يعارض آية تحديد العدة ولا آية المواريث ولا حديث « لا وصية لوارث » فيتأتى فيه النسخ ، سواء كانت هذه الوصية للندب أو للوجوب ، وما قلنا إنها للندب الا لعدم شيوع العمل بها كآية استئذان الولدان في سورة النور ولا يمكن الجزم بأنه لم يعمل بها أحد البتة إذ لم يطلع أحد من الخلق على جميع معاملات الناس في بيوتهم فتأمل هذا وما قبله أيها المستقل الفهم المعافى من جهالة التقليد ، وتذكر قول المثل السائر ، كم ترك الأول للآخر