تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
حقيقة الاخلاص . ولكن هنا التذكير القوليّ بما يبعث على إقامة تلك الأحكام على وجهها ، قد يغفل المرء عن تدبره ، ويغيب عن الذهن تذكره ، بانهماك الناس في معايشهم واشتغالهم بما يكافحون من شدائد الدنيا ، أو ما يلذ لهم من نعيمها ، ولهذه الضروب من المكافحات ، والفنون من التمتع باللذات ، سلطان قاهر على النفس ، وحاكم مسخر للعقل والحس ، يتنكب بالمرء سبيل الهدى ، حتى تتفرق به سبل الهوى ، فمن ثم كان المكلف محتاجا في تأديب الشهوات الحيوانية ، إلى مذكر يذكره بمكانته الروحانية ، التي هي كمال حقيقته الانسانية ، وهذا المذكر هو الصلاة فهي التي تخلع الانسان من تلك الشواغل التي لا بد له منها ، وتوجهه إلى ربه جل وعلا ، فتكثر له مراقبته ، حتى تعلو بذلك همته ، وتزكو نفسه ، فتترفع عن البغي والعدوان ، وتتنزه عن دناءة الفسق والعصيان ، ويحبب إليها العدل والاحسان ، بل ترتقي في معارج الفضل إلى مستوى الامتنان « 1 » فتكون جديرة بإقامة تلك الحدود ، وزيادة ما يحب اللّه تعالى من الكرم والجود ، ذلك ان الصلاة تنهى بإقامتها على وجهها عن الفحشاء والمنكر ، ولذكر اللّه فيها أعظم من جميع المؤثرات وأكبر ، فإذا كان الانسان قد خلق هلوعا ، إذا مسه الشر جزوعا ، وإذا مسه الخير منوعا ، فقد استثنى اللّه تعالى من هذا الحكم الكلي المصلين ، إذا كانوا على الصلاة الحقيقية محافظين . لهذا قال
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ
قال بعض المفسرين في وجه اختيار لفظ المحافظة على الحفظ ان الصيغة على أصلها تفيد المشاركة في الحفظ وهي هنا بين العبد وربه كأنه قيل : احفظ الصلاة يحفظك اللّه الذي أمرك بها ، كقوله
( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ )
أو بين المصلي والصلاة نفسها أي احفظوها تحفظكم من الفحشاء والمنكر بتنزيه نفوسكم عنهما ، ومن البلاء والمحن بتقوية نفوسكم عليهما كما قال
( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ )
وقال الأستاذ الإمام قال حافظوا على الصلوات ولم يقل احفظوها ، لان المفاعلة تدل على المنازعة والمقاومة ، ولا يظهر قول بعضهم ان المفاعلة
هامش
( 1 ) يقال امتن عليه امتنانا إذا ألعم عليه إنعاما وامتنه بلغ ممنونه أي أقصى ما عنده
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 436 | الشيخ محمد رشيد رضا