فقط وانما المراد بها تعاقد الزوجين على المشاركة في شؤون الحياة والاتحاد في كل شيء ، وانما يكون ذلك بكون المرأة محل ثقة الرجل يأمنها على نفسه وولده ومتاعه ، عالما ان حرصها على ذلك كحرصه ، لان حظها منه كحظه ، وما كان الجمال الذي يروق الطرف ، ليحقق في المرأة هذا الوصف ، ولكن قد يمنعه التباين في الاعتقاد ، الذي يتعذر معه الركون والاتحاد ، والمشركة ليس لها دين يحرم الخيانة ، ويوجب عليها الأمانة ، ويأمرها بالخير ، وينهاها عن الشر ، فهي موكولة إلى طبيعتها ، وما تربت عليه في عشيرتها ، وهو خرافات الوثنية وأوهامها ، وأماني الشياطين وأحلامها ، فقد تخون زوجها ، وتفسد عقيدة ولدها ، فان ظل الرجل على اعجابه بجمالها ، كان ذلك عونا لها على التوغل في ضلالها واضلالها ، وإن نبا طرفه عن حسن الصورة ، وغلب على قلبه استقباح تلك السريرة ، فقد ينغص عليه التمتع بالجمال ، ما هو عليه من سوء الحال
وأما الكتابية فليس بينها وبين المؤمن كبير مباينة فإنها تؤمن باللّه وتعبده ، وتؤمن بالأنبياء وبالحياة الأخرى وما فيها من الجزاء ، وتدين بوجوب عمل الخير وتحريم الشر ، والفرق الجوهري العظيم بينهما هو الايمان بنبوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومزاياها في التوحيد ، والتعبد والتهذيب ، والذي يؤمن بالنبوة العامة لا يمنعه من الايمان بنبوة خاتم النبيين إلا الجهل بما جاء به وكونه قد جاء بمثل ما جاء به النبيون وزيادة اقتضتها حال الزمان في ترقيه ، واستعداده لأكثر مما هو فيه ، أو المعاندة والجحود في الظاهر ، مع الاعتقاد في الباطن ، وهذا قليل والكثير هو الأول ، ويوشك ان يظهر للمرأة من معاشرة الرجل حقية دينه وحسن شريعته والوقوف على سيرة من جاء بها وما أيده اللّه تعالى به من الآيات البينات فيكمل إيمانها ، ويصح اسلامها ، وتؤتى أجرها مرتين ، إن كانت من المحسنات في الحالين ، ومثل هذه الحكمة لا تظهر في تزويج الكتابي بالمؤمنة ، فإنه بما له من السلطان عليها ، وبما يغلب عليها من الجهل والضعف في بيان ما تعلم ، لا يسهل عليها ان تقنعه بحقية ما هي عليه ، بل يخشى أن يزيغها عن عقيدتها ويفسد منها دون أن تصلح منه ، وهذا المعني يفهم من تعليل النهي عن مناكحة المشركين في قوله عز وجل
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 352
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٣٥٢