تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
البيان كله بتمثيل حال الأولين الذين سلكوا سبيل الهداية في أنفسهم وتصدوا لهداية الناس وإرشادهم إلى السلم والوفاق فقال
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ
الخ الخطاب موجه إلى الذين هداهم اللّه تعالى إلى السلم والخروج من ظلمة الخلاف إلى نور الكتاب الذي أنزل لازالته في زمن النزول وفي كل زمن يأتي بعده . وتوجيهه أولا وبالذات إلى أهل الصدر الأول من المسلمين الذين كانوا خير أمة أخرجت للناس أكبر عبرة وموعظة لمن يأتي بعدهم ويحسبون أنهم بمجرد الانتماء إلى الاسلام يكونون أهلا لدخول الجنة ، جاهلين سنة اللّه تعالى في أهل الهدى منذ خلقهم ، وهي تحمل الشدائد والمصائب والضرر والايذاء في طريق الحق ، وهداية الخلق . وعجيب من أمة ينطق كتابها بالآيات البينات على أن سنة اللّه في خلقه واحدة لا تحويل لها ولا تبديل ، ويحثها دائما على الاعتبار بها والسير في الأرض لمعرفة آثارها في الأمم البائدة والأمم الحاضرة ، ثم هم يحولون هذه السنة عنهم ، ويفشو فيهم الانكار على من بعظهم ، بما حكى اللّه تعالى عن حال تلك الأمم التي كفرت بنعمة اللّه تعالى عليها بالسلم والهداية قائلين انه يقيس المسلمين على الكافرين ! ! « أم » ههنا هي الواقعة في طريق الاستفهام وهي تشعر بمحذوف دل عليه الكلام في وصف الذين خلوا من قبلنا وما نالوا من البأساء والضراء ، كأنه يقول قد خلت من قبلكم أمم أوتوا الكتاب ودعوا إلى الحق فآذاهم الناس في ذلك فصبروا وثبتوا . أفتصبرون مثلهم على المكاره ، وتثبتون ثباتهم على الشدائد ؟ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة وتنالوا رضوان اللّه تعالى من غير أن تفتنوا في سبيل الحق فتصبروا على ألم الفتنة وتؤذوا في اللّه فتصبروا على الايذاء كما هي سنة اللّه تعالى في أنصار الحق وأهل الهداية في كل زمان ؟ . قرر الأستاذ معنى الآية على هذا الوجه وقال إنه معنى ظاهر من الآية يسبق إلى ذهن كل قارىء وإن لم يستطع كل أحد التعبير عنه وإذا جعلت « أم » بمعنى الاضراب والاستفهام معا كما قال المفسر ( الجلال ) بطل هذا المعنى الذي يملك النفس ويؤثر في الوجدان
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 299 | الشيخ محمد رشيد رضا