تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
حتى تذوق وبال أمرها ، وحتى تبصر عواقب الخلاف بما كان من فوائد الألفة ، وحتى تردها الضرورات إلى النظر فيما أغمضت عنه ، وإلى الرجوع إلى ما خرجت منه ، فتعود إلى محو ما عرض من العادات ، وتنقية القلوب من فاسد الاعتقادات ، وتطهير النفس من رديء الملكات ، فتشرق لها شمس الحق الأول ، وتقوم على الطريق الأمثل ، وتعود الطمأنينة إلى النفوس ، ويتساوى في الحق الرئيس والمرءوس ، ويجتمع الناس على التنزيل ، ويتحدون على صحيح التأويل ، وهذ قوله تعالى
فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ
تلك الأطوار التي لا بد للبشرية أن تمر فيها حتى تبلغ كمالها ، وتنال تفصيلها وإجمالها ، وتأويل الآية على طريقة الشيخين المذكورين لا يضايق ما اخترناه ، ولا يبعد عما قررناه ، ومكانة آدم عليه السّلام من الرسالة لا تزعج صاحب هذا التأويل ، ولا تلصق به شذوذا أبعد من شذوذ من قال كان الناس على الحق متفقين ، ثم كان الخلاف أثر بعثة النبيين ، ولا شذوذ من قال إن الناس هم آدم كما علمت . فإنه يقول إن رسالة آدم لم تعلم بم كانت وإلى من كانت ، فيجوز أن تكون بأمور تتفق مع تلك السذاجة الأولى إلى واحد أو أكثر من أبنائه ، ثم نسي ما كان من ذلك عند من بلغه ، وجهل عند من لم يبلغه . على أن ما سبق في تأويل قوله تعالى
( 2 : 30 أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ )
من رأي ابن عباس وأناس معه من أن الأرض كان فيها عمار يعملون فيها ما يعمل بنو آدم ، يسمح لصاحب التأويل أن يقول إن آدم عليه السّلام مع بنيه كانوا في عمارة الأرض كولد نوح ، وأن الأرض كانت معمورة من قبله بأقوام فيهم تلك الصفات البشرية ثم انقرضوا وخلفهم آدم ، كما تنقرض أمة وتخلفها أمة ، يهلك اللّه صنفا وينشئ آخر والنوع واحد ، ولا يزال الهالك يترك أثرا للباقي يحدث فيه فكرة ، ويثير في نفسه عبرة ، ويكون ذلك سلما له إلى رقي كان من قبل دونه ، وان مثال هذه الاعتراضات التي تكاد تكون ضروبا من إنكار المشهود لقول قائل انه غير موجود . لا تقف دون العقلاء من أهل الدين خصوصا علماء الدين الاسلامي