تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
كان رقي معارفهم في جميع أبواب الصنعة « 1 » وما عليك إلا أن تنظر كيف ابتدأوا وضع حروف الكتابة من الخط المسماري ثم لم يزالوا يرتقون فيه إلى أن وصلوا إلى ما تعرف اليوم - كل ذلك يدل على أن سنة اللّه في الجماعة هي بعينها سنته في الفرد منها من التدرج به من ضعف إلى قوة ومن قصور إلى كمال كانوا في طور القصور منغمسين في الحس والمحسوس ، فإذا تخلصوا منه إلى شيء تخلصوا إلى وهم يثيره الحس ، وإنما هو ظل له يظن شيئا وليس بشيء : إذا عجبوا كيف يموت الميت ولم يهتدوا إلى فهم معنى الموت ظنوا انه يغيب عنهم غيبة ولكن لا يزال يتعهدهم بما يؤذيهم ، كأن الموت يحدث بينه وبينهم عداوة ، فظنوا أن أرواح الأموات من جملة العاديات الضارات ، المعينات النافعات ، ولذلك كانوا يعدون لها ما يرضيها ، وكانوا يخافون أن يذكروا أسماءها ، وإذا سمعوا رعدا أو رأوا برقا أو أمطرتهم السماء أو ذعرتهم الأعاصير ، تخيلوا أشباحا مثلهم ترسل ذلك كله عليهم ، ويذهب بهم الخيال فيها إلى ما شاء من صور وتماثيل وهكذا كان شأنهم في كثير من الحيوان والنبات والنجوم إذا استعظموا منها شيئا لعظم مضرته أو لكثرة منفعته ، توهموا فيها ما شاءوا من قدرة تفوق قدرتهم ، وإرادة تقهر ارادتهم « 2 » ولم يزالوا كذلك والتجارب تكشف لهم خطأهم فيما يتوهمون ، والحوادث تأتيهم بعلم ما لم يكونوا يعلمون ، حتى عقلوا كثيرا من أصول اجتماعهم وكشفوا شيئا من عناصر بنيته المعنوية ، ووصلوا إلى منزلة الاستعداد لأن يفهموا باطن
هامش
( 1 ) لم يذكر الأستاذ ارتقاءهم بعد ذلك إلى عصر البخار ثم إلى عصر الكهرباء وهو عصرنا اكتفاء بالإشارة اليه بهذه العبارة وما بعدها من الارتقاء في الخط بالايجاز ، ولكنه أشار بقوله قبلها : ما يظنه الناظر أعلاها - إلى أن ارتقاء صناعة البشر ليس له حد ، وقد ارتقت بعده رحمه اللّه تعالى ارتقاء عظيما ( 2 ) وهذا الخوف منها والرجاء فيها كانا مبدأ عبادتها ، إذ العبادات كلها مبعثها الخوف من الضر والرجاء في النفع مما هو فوق الأسباب المسخرة للبشر وهو السلطان الغيبي الاعلى - سلطان الرب الخالق المتصرف بمشيئته وحكمته