تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
الأمم ، بمنزلة الرأس من البدن . جاؤهم يبينون لهم الخير ، ويبشرونهم بحسن الجزاء لكاسبه ، ويكشفون لهم مسالك السوء ، وينذرونهم بسوء المصير لصاحبه ولما كان الاستعداد يتفاوت في الأمم كانت أمة أولى من أمة بتقدم عهد النبوات فيها ، وكانت تلك الأمة المتقدمة جديرة بأن تكون إماما للأمة المتأخرة ، سنة اللّه في الخلق . هذا الطور النوراني الجديد طور ظهور النبوة هو طور خير وسعادة ، طور هداية ورشاد ، وأخوة بين المهتدين فيه وسداد في أعمالهم ، ونزوع إلى تكميل غيرهم بمثل ما كملت به أنفسهم ، وإضاءة ما أظلم من جو غيرهم بمثل ما ضاء به جوهم ، ولا يزالون كذلك ما قاموا على فهم ما جاء إليهم ، وما قيدوا عقولهم ونفوسهم بالحدود التي وضعها لهم ، وما وقفوا على سر ما حملوا عليه ، ولزموا روح ما دعوا إليه ، وما حدب كل واحد منهم على الآخر ليرده إذا زاغ عن الطريق المعبدة ، ويقيمه على السنة المعروفة ، فهذا قوله تعالى
فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ
فقد قطع الانسان في سيره إلى الكمال مرحلة أولى انتهت إلى ظهور النبوات ، ثم هو يسير في هذه مرحلة أخرى إلى أن يصل إلى منزل آخر ، ولكنه يا للأسف ليس بالمنزل المرتضى . ذلك أنه إذا طال الأمد على عهد النبوة وبعد الناس عن مبعث نورهما ، وينبوع نموها ، قست القلوب ، وأظلمت الأنفس ، وغلبت الشهوات ، فضعف العلم بسر الدعوة ، وأهملت الجمعية تقويم الطريقة ، واستعمل أهل العلم بالدين ، نصوص الدين فيما يضيع حكمة الدين ، ويذهب بأثره في الناس ، فيقع الاختلاف والاضطراب ، وينقلب سبب السعادة الأولى ، عاملا للشقاء في الأخرى ، وذلك باتباع خطوات شيطان الرئاسة ، والانقياد لغوايات السياسة ، فهذا قوله تعالى
وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ
هذا طور ثالث للجمعية البشرية ، ومرحلة تسير فيها ما شاء اللّه أن تسير
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 295 | الشيخ محمد رشيد رضا