تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
ما عقلوا وسر ما عرفوا . ولأن يخلصوا من هذا العالم الجسماني الذي كانوا فيه إلى عالم روحاني كانوا يسيرون في طلبه من حيث لا يشعرون هنالك تهيأ لهم أن ينتقلوا من طرر قصور الصبي إلى أول سن الرشد ، فجاءتهم النبوة تهديهم إلى ما يستقبلونه في ذلك الطور الجديد - طور يكون واضع التظام لاجتماعهم فيه هو اللّه جل شأنه ، ويكون المحدد لصلتهم بربهم تعالت أسماؤه هو الرحيم بهم العليم بمصالحهم ، وهو مع ذلك مما لا تحدده عقولهم ، ولا نسمو إلى اكتناه ذاته معارفهم ، هذه هي الغاية التي لم يكن لهم أن يدركوها وهم في قصور الطور الأول قد انتهوا إليها عند دخولهم في الطور الثاني فهذا هو قول الشيخين : ان الأمة الواحدة هي الأمة الآخذة في اعتقادها وعملها بالعقل ومقتضى الفطرة قبل النبوات جميعها ، لان ظهور النبوة والاستعداد لقبولها طور من الأطوار البشرية لا يصل اليه النوع الانساني إلا بعد التدرج في طريق طويلة تنتهي غايتها إلى هذا النوع من الكمال الانساني الاستعداد لظهور النبوة وقبول دعوتها مرحلة من المراحل التي تسير فيها الجمعية البشرية عندما تبلغ العقول منزلة من القوة ومقاما من السلطة ، وتبلغ النفوس من قوة التصرف في المنافع والمضار ، ما يخشى معه من ضلالها ، أن يوقعها في خبالها ، عندما تعظم مطامع العقول والشهوات وتتسع مجالاتها وتبعد مطامحها ، هنالك يخشى على الجمعية البشرية من بعض أفرادها أو من كل واحد منهم على بقية أركانها ، كما يخشي من قوى الشاب أن تهلكه عندما تبلغ البنية حد النمو وتبدو له الشهوات في أجلى صورها ، فكما كان من حكمة اللّه أن يهب الشاب قوة العقل عند بلوغ السن التي تعظم فيها الشهوة ، ويقوى فيها الاحساس بالحاجة إلى توفير الرغائب ، حتى يقوده في تلك الغمار ، كذلك فعل اللّه بالجمعية البشرية عندما بلغت بمعارف أفرادها ذلك الحد الذي ذكرنا - وهبها تلك الهداية الجديدة ، وأيدها بالدلائل التي بلغ من قوة العقول أن تدركها ، وان تصل من مقدماتها إلى نتائجها ، تلك الآيات البينات التي جاء بها الأنبياء على اختلاف أزمانهم وأممهم جاءت إلى كل أمة بما يلائم حالتها النفسية ومكانتها العقلية ، فكان الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام في
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 294 | الشيخ محمد رشيد رضا