تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
مكونه ، ويشرق عليها نور وجوده الباهر ، وانما كان كل هم الصبي منصرفا إلى تغذية جسمه ورياضة قواه البدنية ، ولا يبالي بما وراء ذلك ، وإذا ذكر له شيء من تلك المعاني العالية لم يتمثلها ذهنه الا في صور من الخيال هي إلى الباطل أقرب منها إلى الحق . كل ذلك معروف لكل من كان طفلا ثم صار صببا ثم بلغ سنا عرف نفسه فيها رجلا عاقلا ، فلا حاجة بنا إلى الإطالة فيه على هذه السنة قادت العناية الإلهية جماعة البشر ، لأن الحكمة قد قضت بأن يحيا الانسان إلى أجله المحدود في جماعة من نوعه كما قدمنا لا مناص له عن ذلك . هذه الجماعة هي التي تسمي أمة كما عرفت ، ويمكنك أن تسميها بنية الاجتماع وتسمي كل فرد منها عضوا من تلك البنية فكما ينشأ الفرد قاصرا في جميع قواه ضعيفا في جميع أعضائه . كذلك نشأت الجمعية البشرية على ضرب من السذاجة لا تبلغ بها إلى تناول الشؤون الرفيعة والمعاني العالية والمعارف السامية ، غير أن الذي يربي الفرد ويسوس قواه إلى أن يبلغ رشده هو الأبوان أو من يقوم مقامهما ، والذي يكفل الجمعية ويربي قواها ، ويشد بناها ، انما هو الكون وما يمسها من حوادثه ، والحاجات ووقعها ، والضرورات ولذعها ، وكما يؤدب الصبي أبواه يؤدب الجماعة شدة وقع الحوادث الكونية منها ، وهي في هذا الطور لا هم لها الا المحافظة على بنيتها الجسمية ، وحاجتها البدنية ، وليس عندها من الزمن ما تتفرغ فيه لأدنى من ذلك كما هو شأن الطفل في صباه والآثار التي عثر عليها الباحثون في مبادئ ظهور الصناعة عند البشر وارتقائها من أدنى الاعمال إلى ما يظنه الناظر أعلاها اليوم تشهد شهادة كافية بأن البشر كانوا في بدء أمرهم من قصور القوي على حالة تشبه حالة الصبيان في الافراد فقد كانوا في بعض أطواره لا يهتدون إلى اصطناع المعادن القابلة للطرق كالنحاس والحديد ، وان آلاتهم للدفاع ونحوه كانت من الحجارة ، ثم ارتقوا إلى استعمال النحاس ، ثم ارتقوا بعد ذلك إلى استعمال الحديد ، وعلى هذا النحو