تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
كان العالم في سلامة منه ، فما فائدة إرسال الرسل وكيف يمن اللّه على الناس بأمر لم يزدهم إلا شقاء ، ولم يكسب بصائرهم إلا عماء ؟ أراد اللّه جل شأنه أن يستدرك على هذا الظن ويبين وجه الخطأ فيه فقال
« وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ »
الخ وحاصل الاستدراك أن غرائز البشر وحدها ليست كافية في توجيه أعمالهم إلى ما فيه صلاحهم ، فلا بد لهم من هداية أخرى تعليمية تتفق مع القوة المميزة لنوعهم ، وهي قوة الفكر والنظر ، تلك الهداية التعليمية هي هداية الرسل منهم ، والكتب التي ينزلها اللّه عليهم ، مع الأدلة القائمة على عصمة الرسل من الكذب ، وعصمة الكتب من الخطأ ، فعلى الناس أن يستعملوا عقولهم في فهم الأدلة على الرسالة والعصمة أولا ، وسطوع الأدلة يحمل المستعدين منهم على التصديق حتما ، فإذا عقلوا ما جاءت به الرسل وجب عليهم أن يقوموا عليه ، ولا يعدلوا بعمل من أعمالهم عنه ، ذلك كما وهب لهم السمع والبصر ليهتدوا بهما إلى ما يوفر لهم الفوائد ، ويدفع عنهم الغوائل ، ويتقوا بهما الوقوع في المكاره ، وكما وهب لهم العقل ليهتدوا به فيما يتبع الأعمال من العواقب ، وإنما عليهم أن ينظروا في فهم الاحكام الإلهية إلى جملتها ومجموع ما تفرق منها ، لا يقصرون نظرهم على بعض ويغضون بصرهم عن بعض آخر ، ثم عليهم أن يقفوا على حكمة اللّه في تشريع شريعته ، ووضع ما قرره من الاحكام فيها بحيث لا يحيدون عن تلك الحكمة التي أشارت إليها كتبه ، بل صرحت بها نصوصها لا يمنة ولا يسرة ، حتى يتم لهم الاهتداء بها ، فان الغفلة عن حكمة العمل غفلة عن فائدته ، والغفلة عن فائدته انصراف عن روحه التي لا يقوم إلا بها ، غير أن عامة الخاطئين لا يمكنهم أن يصلوا إلى كل ذلك بأفهامهم على قصرها ، وإنما ذلك فرض على الخاصة الذين قدمهم الرسل للنيابة عنهم ، وهؤلاء هم الذين أوتوه ، وأعطاهم اللّه الكتاب على أن يقرروا ما فيه ، ويراقبوا انطباق سير العامة عليه ، ولذلك قال
( مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ )
وفي آيات أخرى أن اختلافهم من بعد ما جاءهم العلم . والبينات هي الدلائل القائمة على عصمة الكتاب من وصمة إثارة الخلاف ، وعلى أنه ما جاء إلا لاسعاد الناس والتوفيق بينهم ، لا لاشقائهم وتمزيق شملهم ، وعلى أن الحكمة الإلهية فيه راجعة إلى جميع ما جاء