صالح لهم على حسب استعدادهم ، ثم في قوله
« وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ »
وعود الضمير على جميع النبيين ما يفيد ان اللّه أنزل مع كل نبي كتابا معجزا كان أو غير معجز طويلا كان أم قصيرا ، دوّن وحفظ أم لم يدون ولم يحفظ ، ليؤدى من سلف إلى خلف ، وقوله
« لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ »
قرأ يزيد بضم الياء وفتح الكاف والباقون بفتح الياء وضم الكاف وهي الرواية المشهورة المعروفة . اما على رواية يزيد فالمعنى أن اللّه أنزل الكتب مع النبيين بالحق أي بيان ما يجب أن يعتقد به مما هو منطبق على الواقع وبيان ما يجب أن يعمل به مما هو صالح لا مفسدة فيه ، ليقع الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه من الامرين ، والحاكم هو المتولي للفصل بين الناس في الخصومات بالنسبة إلى الاعمال ، والمرشد إلى صحيح العقائد على مقتضى ما جاء في الكتاب النازل بالحق ، والمبين لما ينطبق على نصوصه من الاعمال التي يحكم فيها الحاكمون
أما على القراءة المعروفة فالحكم مسند إلى الكتاب نفسه فالكتاب ذاته هو الذي يفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه وفيه نداء على الحاكمين بالكتاب أن يلزموا حكمه ، وأن لا يعدلوا عنه إلى ما تسوله الأنفس وتزينه الأهواء ، فان الكتاب نفسه هو الحاكم وليس الحاكم في الحقيقة سواه ، ولو ساغ للناس أن يؤولوا نصا من نصوص الكتب على حسب ما تنزع اليه عقولهم بدون رجوع إلى بقية النصوص وبناء التأويل على ما يؤخذ من جميعها جملة لما كان لانزال الكتب فائدة ، ولما كانت الكتب في الحقيقة حاكمة ، بل تتحكم الأهواء وتذهب النفوس منازع شتى ، فينضم إلى الاختلاف في المنافع اختلاف آخر جديد وهو الاختلاف في ضروب التأويل ، وبناء كل واحد حكما على ما نزع اليه ، فتعود المصلحة مفسدة ، وينقلب الدواء علة ، ولهذا رد اللّه تعالى لحكم إلى الكتاب نفسه لا إلى هوى الحاكم به وقال
« فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ »
لان لاختلاف كان تابعا لتلك الوحدة التي بيناها فكان كأنه لازم لها ، وهو كذلك كما يبينه تاريخ البشر وما توارثوه عن أسلافهم . وكما يقضي فيما اختلفوا فيه يقضي بما يختلفون به من بعد ، ونسبة الحكم إلى الكتاب هي كنسبة النطق والهدي التبشير اليه في قوله
( 45 : 29 هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ )
وقوله ( 17 : 9