به ، فلا بد أن يكون فهم كل جزء منه مرتبطا بفهم بقية أجزائه ، وعلى أن دعوة الرسول الذي جاء به إنما كانت إلى جملته ، لا إلى الانقاض المتفرقة منه ، وقال إن هذا الاختلاف الذي وقع منهم لم يكن إلا بغيا بينهم ، وتعديا لحدود الشريعة التي أقامها حواجز بين الناس والخلاف داعية البغي . ان الحبر أو الكاهن أو العالم أو الرئيس أو أي واحد ممن تسميه من أهل النظر في الدين القائمين عليه الذين ينوبون عن الرسل في حفظه والدعوة إلى صيانته - الواحد من هؤلاء يرى الرأي ويفهم الفهم ويأخذ الحكم من نص يقف عنده ذهنه ، أو أثر يصل اليه ، وربما لم يكن وصل اليه ما هو أصح منه ، وآخر يرى غير ما يرى ، ويزعم وصول أثر غير الذي وصل إلى صاحبه ، فكان اتباع الكتاب يقضي عليهما بالاجتماع والنمحيص وتخليص النفس من كل هوى سوى الميل إلى تقرير الحق وتطبيق الواقعة عليه ، ولو لم يتيسر لهما ذلك وجب على من يأتي بعدهما ما كان يجب عليهما ، حتى يستمر الاتفاق بين هؤلاء الخاصة ويسود بهم بين العامة
لكن قد يشوب طلب الحق شيء من الرغبة في عزة الرئاسة أو ميل مع أربابها أو خوف منهم أو شهوة خفية في منفعة أخرى فيلج ذلك بصاحب الرأي حتى يكون شقاق ، ويحدث افتراق ، ولا ريب أن هذا الشوب وان كان قد يكون غير ملحوظ لصاحبه بل دخل على نفسه من حيث لا يشعر فهو من البغي على حق اللّه في عباده أوّلا ، والبغي على حقوق العباد الذين جاء الكتاب لتعزيز الوفاق بينهم ثانيا ، وأما العامة من الناس فلا جريمة لهم في هذا ولذلك جاء بالحصر في قوله
« وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ »
فإذا كان الرؤساء قد جنوا هذه الجناية على أنفسهم وعلى الناس بسبب البغي الخاص بهم فهل هذا يقدح في هداية الكتاب إلى ما يتفق الناس عليه من الحق ويرتفع به النزاع فيما بينهم ؟ كلا فقد رأينا كل دين في بدء نشأته يقرب البعيد ويجمع المتشتت ويلم الشعث ويمحق أسباب الخلاف من النفوس ويقرر بين الآخذين به أخوة لا تدانيها أخوة النسب في شيء . وهل يؤثر الأخ في النسب أخاه بماله على نفسه وهو في أشد الحاجة إليه كما كان يفعل أولئك الذين يؤثرون على أنفسهم