إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ )
وكنسبة القضاء اليه في قول الشاعر
ضربت عليك العنكبوت بنسجها * وقضى عليك به الكتاب المنزل
والسر في التجوز هو ما ذكرت لك . وقد يعود الضمير على اللّه أي أنزل اللّه معهم الكتاب بالحق ليحكم سبحانه بين الناس فيما اختلفوا فيه ، وهو يشعر كذلك بان الحاكم يجب أن يكون هو اللّه دون آراء البشر وظنونهم التي لا ترد اليه جل شأنه
وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ
وقد عرفت فيما سبق أن الناس بحكم اشتراكهم في الاعمال وضرورة اشتباكهم في المعاملات عرضة للاختلاف في الحق ، لأن عقولهم وحدها ليست كافية في الهداية إليه على الوجه الذي يحفظ جامعتهم من الاضطراب ، ويؤدي بهم إلى السعادة العظمى في المآب ، فلا يصح بعد ذلك أن يعود الضمير في « فيه » إلى الحق فلا يقال وما اختلف في الحق إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات ، فان الحق يختلف فيه الناس قبل مجيء البينات الأولى ، ولا أعجب مما ذكره بعض المفسرين من أن النص في الآية دليل على أن الناس لم يكن منهم اختلاف في الحق إلا بعد بعثة الأنبياء وإرسال الرسل وانزال الكتب ، أما فيما قبل ذلك فكانوا متفقين على الحق فكأن رذيلة الاختلاف والتفرق لم تقع في العالم الانساني إلا ببعثة الرسل ، والقول بمثله من أغرب ما ينسب إلى صاحب دين ما فما بالك به إذا صدر عن مسلم ؟
والحق أن الضمير في قوله
« وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ »
يعود إلى الكتاب وهو استدراك على ما عساه يقال : إذا كان الناس في جامعتهم مستعدين للتخالف بمقتضى فطرتهم إذا تركت وحدها ، ولا غنى لهم عن هداية تعليمية تأتيهم من اللّه تعالى ، ولهذا بعث الأنبياء ليكونوا قوادا للفطرة إلى ما هو خير الدنيا والآخرة ، فما بال الناس بعد انزال الكتب لا يزالون مختلفين ولا يرتفع من بينهم ذلك الخلاف الذي كان يخشي منه افساد جماعتهم وهلاك خاصتهم ؟ فقد كانوا يختلفون على جلب