تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
ولو كان بهم خصاصة ؟ وهل يبذل الأخ النسبي روحه دون أخيه ويؤثره بالحياة على نفسه كما آثره بالمال ، كما كان يقع من أولئك الابطال ؟ هذا شأن الدين وهو باق على أصله ، معروف بحقيقته لأهله ، تبينه للناس رؤساؤه ، ويمشي بنوره فيهم علماؤه ، لا خلاف ولا اعتساف ، ولا طرق ولا مشارب ، ولا منازعات في الدين ولا مشاغب هذا هو الدين الإلهي الذي قدر اللّه أن يكون هداية للبشر فوق الهدايات التي وهبها لهم من الحواس والعقول ، فإذا لم يهتد بها الذين أوتوها وهم علماء الدين ، وبغوا بالتأويل ، وكثرة القال والقيل ، فهل يمس ذلك جانبها بعيب ؟ ماذا يقول القائل في أولئك الذين يؤتيهم اللّه العقل ثم لا يستعملونه فيما أوتي لأجله ؟ هل تنقص حالهم هذه من منزلة العقل وتدل على أن العقل ليس من نعم اللّه على الانسان ؟ ماذا يقول القائل في أولئك الذين لهم أبصار وأسماع ولكن يخبط الواحد منهم في سيره فلا يستعمل بصره في معرفة الطريق التي يسير فيها ، أو في وقاية رجليه من الشوك الواقع عليها ، أو التباعد عن حفرة يتردى فيها ، وربما كانت نظرة واحدة تقيه من التهلكة لو وجهها نحوها . وقد يسمع من الأصوات التي تنذره بالخطر القريب منه ثم لا يبالي بما يسمع ، حتى يصيبه ما ليس له مدفع . فهل تحط حال هؤلاء الناس من قيمة السمع والبصر ؟ هذه الآية الكريمة ترفع من شأن الدين وتعلو به إلى أرفع مقام من مقامات الهدايات الإلهية ، وتدفع عنه مطاعن أولئك السفهاء الذين تغشى أعينهم حجب الظواهر ، فتقف بهم دون معرفة السرائر ، يناديهم الحق فلا يصل إليهم الا صدى صوت الباطل ، ثم يرفع النص الكريم مقام المؤمنين الصادقين ، ويحلهم من الكرامة أعلى عليين ، إذ يقول بعد ما ذكر جناية أهل الخلاف
فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
الاذن هنا التيسير والتوفيق والذين آمنوهم أهل الايمان الصادق في كل « تفسير المنار » « 37 » « الجزء الثاني »