المنافع والتوسع في مطالب الشهوات ، ولم تكن لديهم في ذلك آلة يستعملها كل منهم في نيل مطلبه من صاحبه سوى القوة أو الحيلة ، وبعد انزال الكتب قد انضم إلى تلك الآلات آلة أخرى ربما كانت أقوى من سواها وهي آلة الاقناع بالكتاب ، فيتخذ الواحد منهم كلمة من الكتاب أو أثرا مما جاء به وسيلة إلى تسخير غيره لما يريد ، وذلك بقطع الكلمة أو ألاثر عن بقية ما جاء بالكتاب والآثار الاخر ، وليّ اللسان به وتأويله بغير ما قصد منه ، وما همّ المؤول أن يعمل بالكتاب ، وإنما كل ما يقصد هو أن يصل إلى مطلب لشهوته ، أو عضد لسطوته ، سواء عليه هدمت أحكام اللّه أم قامت ، واعوجت السبيل أم استقامت ، ثم يأتي ضال آخر يريد أن ينال من هذا ما نال هذا من غيره ، فيحرف ويؤوّل حتى يجد المخدوعين بقوله ويتخذهم عونا على ذلك الخادع الأول ، فيقع الخلاف والاضطراب ، وآلة المختلفين في ذلك هي الكتاب ، وقد شوهد ذلك في الأزمان الغابرة بين اليهود وبين من سبقهم وبين النصارى ، ولا يزال الامر على ما كان عليه عند هاتين الطائفتين إلى اليوم ، وكم حروب وقعت بين المسلمين أنفسهم حتى قصمت ظهورهم ، ودمرت ما كان من قواهم ، وما كان آلة المبطلين في تلك المشاغب إلا دعوى الدين . وحمل الناس على الحق المبين . واللّه يعلم إنهم لكاذبون فيما يقولون . وإنهم لخاطئون فيما يفعلون ، وما كلمة الدين ودعوى تأييد الكتاب إلا وسائل لارضاء الشهوة ، وتمكين الظالم من السطوة « 1 »
ثم هناك داع آخر للخلاف وهو اختلاف القوم في فهم ما جاء في الكتاب فكل يذهب إلى أن الواجب أن يعتقد كذا وربما كان حسن النية فيما يقول ، ويعد المخالف مخطئا فيما يزعم ، وقد يعرض لكل منهم التعصب لرأيه فيذهب حسن النية ولا يبقى إلا الميل إلى تأييد المذهب ، وتقرير المشرب ، بدون رعاية للدليل ولا نظر إلى البرهان ، فلم يستفد النوع الانساني من ارسال الرسل ونزول الكتب إلا حدوث سبب جديد للخلاف لم يكن ، وإلا موضوعا للشقاق
هامش
( 1 ) وما أحسن قول أبى العلاء المعري رحمه اللّه تعالى :وكم من فقيه خابط في ضلالة * وحجته فيها الكتاب المنزل