تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
والاخبار السماوية . أمر اللّه الذين آمنوا بنبيه وكتابه بأن يدخلوا في السلم كافة ، وهو على أحد الوجوه السّلام وعلى أحدهما الاسلام ، والسّلام هو الوفاق الذي ليس معه نزاع ، ولا يليق بمن جاءته الهداية من ربه تبين له الطريق الذي يسلكه في معاملة اخوانه ومن يرتبط معه برابطة بعيدة أو قريبة من الناس أن ينحو في عمله نحو ما يدعو إلى الخلاف ويثير التزاع ، بل الواجب عليه أن يقف عندما حددته هداية الكتاب الإلهي والسنن النبوي - والاسلام كذلك يدعو إلى السّلام ، ثم بين سبب ما يقع من الاختلاف بين الناس ويحرمهم حيطة النظام فقال
( زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا )
أي ان جاحد الحق والمعرض عن هداية اللّه له التي يسوقها اليه على أيدي رسله انما ينظر في عمله إلى ما يوفر عليه لذاته في هذه الحياة الدنيا ، فهو لا يسعى إلا إلى لذة عاجلة ، ولا ينظر إلى عاقبة آجلة ، ومن كان هذا شأنه كان أمره اختلافا وشقاقا ، ورياء ونفاقا ، ثم أراد اللّه تعالى أن يقيم الدليل على أن الاهتداء بهدي الأنبياء ضروري للبشر ، وانه لا غنى لهم عنه مهما بلغوا من كمال العقل ، فقال ان اللّه قضى أن يكون الناس أمة واحدة يرتبط بعضهم ببعض ، ولا سبيل لعقولهم وحدها إلى الوصول إلى ما يلزم لهم في توفير مصالحهم ودفع المضار عنهم ، فبعث اللّه النبيين مبشرين ومنذرين ، وأيدهم بالدلائل القاطعة على صدقهم ، وعلى أن ما يأتون به إنما هو من عند اللّه تعالى القادر على إثابتهم وعقوبتهم ، العالم بما يخطر في ضمائرهم ، الذي لا تخفى عليه خافية من سرائرهم قال تعالى
وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ
الاتيان بهذه القضية بعد وصف الأنبياء بالمبشرين المنذرين يدل على أن التبشير والانذار عمل يسبق انزال الكتب وهو حق لان الأنبياء أول ما يبعثون ينبهون قومهم إلى ما غفلوا عنه ، ويحذرونهم عاقبة ما يكونون فيه ، من عادة سيئة أو خلق قبيح أو عمل غير صالح ، فإذا تهيأت الأذهان لقبول ما بعد ذلك من تشريع الاحكام وتحديد الحدود ، أنزل اللّه الكتب لبيان ما يريد حمل الناس عليه مما هو
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 283 | الشيخ محمد رشيد رضا