خلق اللّه الانسان أمة واحدة أي مرتبطا بعضه ببعض في المعاش لا يسهل على أفراده أن يعيشوا في هذه الحياة الدنيا إلى الاجل الذي قدره اللّه لهم إلا مجتمعين يعاون بعضهم بعضا ، ولا يمكن أن يستغني بعضهم عن بعض ، فكل واحد منهم يعيش ويحيا بشيء من عمله ، لكن قواه النفسية والبدنية قاصرة عن توفيته جميع ما يحتاج اليه ، فلا بد من انضمام قوى الآخرين إلى قوته فيستعين بهم في بعض شأنه كما يستعينون به في بعض شأنهم ، وهذا الذي يعبرون عنه بقولهم [ الانسان مدني بالطبع ] يريدون بذلك انه لم يوهب من القوى ما يكفي للوصول إلى جميع حاجاته ، بل قدر له أن تكون منزلة أفراده من الجماعة منزلة العضو من البدن ، لا يقوم البدن إلا بعمل الأعضاء كما لا تؤدي الاعضا وظائفها إلا بسلامة البدن
فلما كان الناس أمة واحدة ولا يمكن أن يكونوا بمقتضى فطرهم إلا كذلك وهم إنما يعملون بمقتضى آرائهم ، وينحون في أعمالهم نحو المنافع التي يرونها لازمة لقوام معيشتهم ، ولم يمنحوا من قوة الالهام ما يعرف كلا منهم وجه المصلحة في حفظ حق غيره ، لتوفير المنفعة بذلك لنفسه - لما كانوا كذلك كان لا بد لهم من الاختلاف ، وكان من رحمة اللّه بهم أن يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين ، وترتيب بعثة الرسل على وحدة الأمة في الآية التي نفسرها يكون على هذا المعنى :
ان الناس أمة واحدة لا بد لهم أن يعيشوا تحت نظام واحد يكفل لهم ما يحتاجون اليه مدة بقائهم في هذه الحياة الدنيا ، ويضمن لهم ما به يسعدون في الحياة الأخرى ، ولا يمكنهم في هذه الوحدة ومع تلك الوصلة اللازمة بمقتضى الضرورة أن يتفقوا على تحديد ذلك النظام مع اختلاف الفطر وتفاوت العقول وحرمانهم من الالهام الهادي لكل منهم إلى ما يجب عليه لصاحبه - لما كانوا كذلك كان من لطف اللّه ورحمته بهم أن يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين ، يبشرونهم بالخير والسعادة في الدنيا والآخرة إذا لزم كل واحد منهم ما حدد له واكتفى بماله من الحق ، ولم يعتد على حق غيره ، وينذرونهم بخيبة الامل وحبوط العمل وعذاب الآخرة إذا اتبعوا شهواتهم الحاضرة ولم ينظروا في العاقبة
هذه الآية الكريمة جاءت بمنزلة بيان الحكمة فيما سبقها من الأوامر الإلهية
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 282
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٢٨٢