تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
قضى ربك أن يخلق الانسان انسانا يكله إلى فكره ، ويدعه إلى سعيه وكسبه ، فلا يزال يتخبط في الاختلاف ، وسيجرهم الاختلاف إلى دار الشقاء ، بعد الخزي في دار الفناء ، الا أولئك الذين رحمهم ربك من هداة العالمين ، وقادة الناس إلى خير الدارين ، ومن وفقه اللّه لاستجابة دعوتهم والاهتداء بسنتهم ، فأدخلهم في رحمته ، بعد ما شمل الظالمين بسخطه ونقمته ويفهم من هاتين الآيتين الكريمتين ان الناس لم يكونوا أمة واحدة قط لا بمعنى انهم كانوا جميعا على الخير والهدى لان اللّه خلق الانسان على غريزة تبعد به عن الاتحاد على الحق والاتفاق على العدل ، ولا بمعنى انهم كانوا جميعا على الضلال كما تراه من صريح النسق الشريف ، فكان الناس ولا يزالون منهم المحسن والمسئ ، والمهتدي والضال ، سنة اللّه في هذا الخلق لكنك تجد في سورة يونس نصا صريحا في أن اللّه تعالى شاء ان يكون الناس أمة واحدة قال تعالى
( وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ )
ولا يمكنك أن تحمل « كان » على معناها من المضي لان الحصر يبعد ذلك بالمرة ، فالمراد منه ان الناس كانوا ولا يزالون أمة واحدة ونشأ عن هذه الوحدة نفسها اختلافهم ، وكان اللّه سبحانه يقضي في الخلاف باهلاك من ينحرف منهم عن سبيل الفطرة السليمة فلا يبقى من الناس إلا من استقام عليها ، ولكن سبقت كلمته وثبت في علمه وتم في مشيئته ان يكون الناس في امرهم كاسبين لسعيهم ، مكلفين بالنظر فيما بين أيديهم من الآيات ، وأن يكون منهم الضال والمهتدي والعادل والمعتدي حتى يوفي كلا جزاءه في الدار الأخرى . ولهذا بعث فيهم الرسل عليهم الصلاة والسّلام ليكونوا لهم أئمة في الايمان وأسوة في العمل الصالح فهل يمكنك مع هذا أن تحمل وحدة الأمة على وحدة العقيدة والعمل كما حملتها على ذلك في الآيات الأخر ؟ ليس ذلك بممكن لان الناس ليسوا أمة واحدة بذلك المعنى بل هم مختلفون فلا ريب انه يجب حمل وحدة الأمة على معنى آخر ، وهو ذلك الذي نختاره في الآية التي نحن بصدد تفسيرها