وأما طلب المغفرة - فهو على كونه يليق أن يطلب منه تعالى - ينتقد منه تشبيهها بمغفرة الطالب للمذنب المسىء إليه من وجهين ( أحدهما ) أن مغفرة اللّه لعبده أجل وأعظم وأعم من مغفرة العبد لمثله ( ثانيهما ) أن الذي يغفر لجميع المسيئين إليه نادر ؛ ومن المشاهد أن أكثر الناس يجزون على السيئة إما بمثلها ، وإما بأكثر منها ، فكيف يكلف هؤلاء بمخاطبة ربهم بالكذب عليه ، الذي حاصله أنهم يطلبون أن لا يغفر لهم ، لأنهم لا يغفرون للمسيئين إليهم .
قد يقولون : نعم نحن نلتزم هذا ، لأن ديننا يوجب علينا أن نغفر لجميع من أذنب وأساء إلينا ، ونعتقد أن ربنا لا يغفر لنا إذا لم نغفر لهم ؛ لأن من علمنا هذه الصلاة قال بعدها ( متى 6 : 14 فإنه إن غفرتم للناس زلاتهم ، يغفر لكم أيضا أبوكم السماوي 15 وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضا زلاتكم )
فنقول : هذا التعبير يدل على وجوب مغفرة جميع الذنوب لجميع الناس عامة كانت أو خاصة ، فأين منكم يا معشر النصارى من يفعل ذلك ؟ وهل يوجد في الألف أو الألوف منكم واحد كذلك ؟ ألسنا نرى أكثركم ومن تعدونهم أرقاكم وتفتخرون بهم كالإفرنج لا يغفرون لأحد أدنى زلة ، بل لا يكتفون بعقاب من يسئ إلى أحد منهم إذا كان من غيرهم بمثل ذنبه ، وانما يضاعفون له العقاب أضعافا بل ينتقمون من أمته كلها إذا كانت ضعيفة لا يمكنها أن تصدهم بالقوة ، فهم لا يمنعهم من الجزاء على السيئة بأضعافها من السيئات ولا من ابتداء الظلم والعدوان إلا العجز
( وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة ، والبسملة منها )
في وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة أحاديث قولية صحيحة صريحة ، وجرى عليها العمل من أول الإسلام إلى اليوم ، وإن تنازع بعض أهل الخلاف والجدل في تسمية هذا الواجب فرضا وعده شرطا ، وأصح ما ورد وأصرحه فيه ما رواه الجماعة كلهم من حديث عبادة بن الصامت ( رض ) أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال « لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب » وفي لفظ رواه الدارقطني باسناد صحيح « لا تجزىء صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب » وهو تفسير للفظ الجماعة ، فان نفى الصلاة فيه نفى صحتها