تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
ووجهه : أن الحقيقة المؤلفة من عدة أركان ذاتية تنتفى بانتفاء ركن منها ، كقولك : لا وضوء لمن لم يغسل يديه إلى المرفقين ، وقد أجمع المسلمون على العمل بهذا ، فلم يصل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولا خلفاؤه وأصحابه ولا التابعون ولا غيرهم من الخلفاء وأئمة العلم صلاة بدون قراءة الفاتحة فيها ، وإنما بحث الحنفية في تسمية قراءتها فرضا وعدها ركنا بناء على اصطلاحات لهم ردها الجمهور بأدلة صحيحة لا محل لتلخيصها هنا ، وأجابوا عن شبهاتهم النقلية بأجوبة سديدة وأقواها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم للمسىء صلاته « ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن » قالوا في الجواب عنه : إنه ثبت في رواية أخرى أنه قال له « ثم اقرأ بأم القرآن » فهذا مفسر لما تيسر من القرآن ، وأن الفاتحة هي التي كانت متيسرة لجميع المسلمين ، لأنهم كانوا يلقنونها كل من يدخل في الإسلام ، وقال بعضهم : المراد بما يتيسر منه هنا ما زاد عن الفاتحة ، وفي البخاري عن أبي قتادة « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقرأ الفاتحة في كل ركعة » والأحاديث المصرحة بأنه كان يقرأ في الركعة الأولى أم القرآن وسورة كذا وفي الثانية بعد أم القرآن كذا في صلاة كذا : كثيرة وأما كون البسملة آية من الفاتحة ، فأقوى الحجج المثبتة له : كتابتها في المصحف الامام الرسمي الذي وزع نسخه الخليفة الثالث على الأمصار برأي الصحابة وأجمعت عليه الأمة ، وكذا جميع المصاحف المتواترة إلى اليوم ، والخط حجة علمية كما قال العلامة العضد ، وعليه جميع شعوب العلم والمدنية في هذا العصر لا حجة عندهم أقوى من حجة الكتابة الرسمية ، ثم إجماع القراء على قراءتها في أول الفاتحة وإن زعم بعضهم أنها آية مستقلة ، فان هذا رأى ، والعبرة بالعمل ، وهو إذا كان عاما مطردا من أقوى الحجج . على أن تواترها عن واحد منهم تقوم ما به الحجة على باقيهم وعلى سائر الناس ، فإنه إثبات بالتواتر لا يعارضه نفى ما . وقد كنا ذكرنا هذه المسألة وآراء أهل الخلاف فيها ونزيدها إيضاحا فنقول : قد وردت أحاديث آحادية في إثبات ذلك ونفيه ترتب عليها اختلاف الفقهاء الذين جعلوا المسألة مسألة مذاهب ، ينصر كل حزب منهم أهل المذهب الذي ينسبون إليه ( كل حزب بما لديهم فرحون ) ولولا ذلك لا تفقوا ، لأن اثبات
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 84 | الشيخ محمد رشيد رضا