تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
وأنى لمثله أن يعلمه ؟ ويراجع الفرق بينهما فيما تقدم . ( 3 ) انه استبدل الأكوان بالعالمين وليس في هذا اختصار ، وإنما فيه استبدال الذي هو أدني ؛ بالذي هو خير وأولى ، فان الأكوان جمع كون وهو في الأصل مصدر لا يجمع ، وله معان لا يصح إضافة اسم الرب إليها منها الحدث والصيرورة والكفالة ، ويطلقه عرب الجزيرة على الحرب لعلهم لا يستعملونه في غيرها ، وأما العالمون فجمع عالم وفي اشتقاقه التذكير بكونه علامة ودليلا على وجود خالقه ، وفي جمعه جمع العقلاء تذكير للقارئ بما في كلمة الرب من معنى تربيته جل جلاله وعم نواله للأحياء ولا سيما الناس ، وكونهم يشكرونه عليها بقدر استعمال عقولهم ، ولذلك قال بعض الأعلام إن لفظ العالمين عام مستعمل هنا في الخاص وهو عالم البشر ، وراجع سائر تفسيره المتقدم . ( 4 ) انه استبدل « كلمة » الديان بكلمة
( يَوْمِ الدِّينِ )
وهي لا تقوم مقامها ، ولا تفيد ما فيها من المعاني المطلوبة لذاتها ، فان للديان في اللغة معاني منها القاضي والحاسب أو المحاسب والقاهر . وغاية ما يفيده وصف الرب بأنه حاكم يدين عباده ويجزيهم . وأما يوم الدين فإنه اسم ليوم معين موصوف في كتاب اللّه بأوصاف عظيمة هائلة ، يحاسب اللّه فيه الخلائق ويحكم بينهم ويجزيهم ، والايمان بهذا اليوم ركن من أركان الدين ، وإضافة ملك ومالك إليه تفيد أن الأمر كله في ذلك اليوم له وحده فلا يملك أحد لأحد فيه شيئا من نفع ولا من كشف ضر كما تقدم تفصيله في تفسير الآية - فاستحضار هذه المعاني في النفس له من التأثير المقوى لعقيدة التوحيد المرغب في العمل الصالح المرهب الزاجر عن الشر ، ما ليس لاسم الديان وحده ، ويكفى الانسان في الجزم بهذا مشاورة فكره ، ومراجعة وجدانه ، وإن لم يكن يعلم من فنون البلاغة شيئا ، وهل لهذا المبشر المتعصب فكر ووجدان ، يهديه إلى ما يجهل من بلاغة القرآن ؟ ( 5 و 6 ) انه اختصر قوله تعالى
( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )
بقوله هو : لك العبادة وبك المستعان . وهو أغرب ما جاء به وسماه إيجازا ، فإنه استبدل أربعا بأربع ، ولكنها أطول منها بزيادة حرف ، وتنقص عنها في المعنى ، فأين الإيجاز ؟ إنه مفقود لفظا ومعنى
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 80 | الشيخ محمد رشيد رضا